زليخة عدي.. أيقونة الصمود التي هزت عرش فرنسا 

كتبت سحر مهني

 

في سجلات الثورة التحريرية الجزائرية، تبرز قصص تتجاوز حدود الخيال البشري في تضحياتها، لكن قصة الشهيدة “زليخة عدي” (يمينة الشايب) تظل الرمز الأكثر تعبيراً عن وحشية الاستعمار وعظمة الأنفة الجزائريّة. هي المرأة التي لم يكتفِ الجلاد بتعذيبها، بل أراد تحويل موتها إلى مشهد ترهيبي، ليعود جسدها بعد 27 عاماً من الغياب شاهداً حياً على الجريمة.

زليخة.. رعب المستعمر في ثوب امرأة بسيطة

لم تكن زليخة عدي مجرد اسم في قائمة الفدائيين، بل كانت العقل المدبر ومنسقة الاتصال في منطقة “تيبازة”. هذه السيدة الهادئة بملامحها، الصلبة بإيمانها، حولت بيتها إلى حصن للمجاهدين ومخزن للأسرار. أرعبت الاستعمار الفرنسي ليس بطلقات الرصاص، بل بشبكة المقاومة التي نسجت خيوطها بذكاء، وبتربيتها لأجيال لا تعرف المهادنة.

مشهد السحل.. بداية الرحلة نحو الخلود

في 15 أكتوبر 1957، كان الموعد مع التضحية الكبرى. اعتقلت القوات الفرنسية زليخة أمام أعين أبنائها. لم تنهار، بل واجهتهم بنظرات حادة هزت أركان جلاديها. وفي محاولة لكسر إرادة الشعب، قام الجنود بربط جسدها النحيل خلف سيارة عسكرية وسحلها في شوارع المدينة.

كانت الحجارة تمزق جسدها، والتراب يختلط بدمائها الطاهرة، بينما كان جنود الاحتلال يصرخون في الأهالي: “هذا مصير من يتجرأ على فرنسا”. لكن الصمت الذي واجهت به زليخة هذا الألم، كان صرخة دوت في قلوب الجزائريين وحولت الخوف إلى ثأر لا ينطفئ.

عشرة أيام في الجحيم وسقوط من السماء

اقتيدت زليخة إلى مراكز التعذيب، حيث مورست ضدها أبشع أساليب التنكيل؛ من صعق كهربائي، وجلد بالسياط، وحرمان من الطعام والماء. عشرة أيام وهي تنزف، لكن لسانها لم ينطق إلا بحب الوطن. وعندما يئس الجلادون من انتزاع أي اعتراف، قرروا تنفيذ إعدام “سينمائي” بوحشيته.

حُملت زليخة وهي شبه غائبة عن الوعي في طائرة مروحية، وعند بلوغ ارتفاع شاهق، أُلقي بجسدها من السماء. أرادوا لها ضياعاً في العدم، لكنها سقطت لتعانق الأرض التي ضحت من أجلها.

“بصقت في وجوههم حين عرضوا عليها الخيانة مقابل الحياة، فاختاروا لها موتاً غادراً من أعالي السحاب.”

لغز الـ 27 عاماً: الأرض تحفظ أمانتها

ظلت زليخة “مفقودة” في السجلات، وبقيت عائلتها تعيش على أمل أو ذكرى، حتى عام 1984. حينها، كشف فلاح مسن عن سر احتفظ به لعقود؛ حيث أخبر السلطات أنه وجد في عام 1957 جثة امرأة مهشمة ملقاة في حقل، فقام بدفنها سراً بملابسها وما تبقى من كرامتها.

وعند فتح القبر، عُثر على رفات الشهيدة وبقايا فستانها، ليعلن التاريخ انتصار زليخة عدي. لم يغب جثمانها، بل اختبأ في حضن الأرض ليظهر في الوقت المناسب ويذكر العالم بضريبة الحرية.

 

زليخة عدي ليست مجرد ضحية لآلة الحرب، إنها رسالة مفادها أن الأجساد قد تُرمى من الطائرات، وقد تُسحل في الشوارع، لكن الأرواح المؤمنة بالقضايا العادلة لا تسقط أبداً. اليوم، يقف اسم “زليخة” شامخاً في ذاكرة الجزائر، صفعة مستمرة على وجه كل مستعمر، ومنارة للأجيال في معنى التضحية.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *