بقلم سحر مهني
يُعد ملف “كردستان” أحد أعقد الملفات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ليس فقط لكون الكرد أكبر قومية في العالم تعيش دون دولة مستقلة، بل لأن جغرافيتهم تمتد عبر أربع دول مركزية (العراق، سوريا، تركيا، وإيران)، وتتداخل فيها انتماءات دينية ومذهبية تضفي طابعاً فريداً على هويتهم.
أولاً: التوزيع الجغرافي والسياسي (الأجزاء الأربعة)
1. إقليم كردستان العراق (باشور)
يُعتبر الإقليم الوحيد الذي نال اعترافاً دستورياً ودولياً ككيان ذي حكم ذاتي.
الواقع السياسي: بعد عقود من النضال، ثبّت الكرد وضعهم في دستور العراق لعام 2005. تمتلك أربيل (العاصمة) تمثيلاً دبلوماسياً واقتصادياً مستقلاً إلى حد كبير.
التحديات: تظل قضية “المناطق المتنازع عليها” (مثل كركوك الغنية بالنفط) نقطة خلاف مشتعلة مع الحكومة المركزية في بغداد.
2. كردستان تركيا (باكور)
تضم تركيا أكبر عدد من السكان الكرد (ما يقرب من 15-20 مليون نسمة).
الواقع السياسي: تعتبر أنقرة القضية الكردية قضية أمن قومي بامتياز. رغم وجود أحزاب سياسية قانونية ذات خلفية كردية، إلا أن النزاع المسلح مع حزب العمال الكردستاني (PKK) ألقى بظلاله على التنمية والحقوق السياسية في مدن مثل ديار بكر.
3. كردستان سوريا (روج آفا)
مع انهيار المركزية في دمشق بعد 2011، برزت “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”.
الواقع السياسي: يسيطر الكرد على مناطق استراتيجية تضم منابع النفط والقمح، لكنهم يواجهون تهديدات مستمرة من التدخلات العسكرية التركية وعدم اعتراف الحكومة السورية الرسمي بخصوصيتهم الإدارية.
4. كردستان إيران (روجهلات)
يتركز الكرد في محافظات كردستان، وكرمانشاه، وإيلام، وأذربيجان الغربية.
الواقع السياسي: تتعامل طهران مع المطالب الكردية بحذر أمني شديد، مع السماح بتمثيل ثقافي ولغوي محدود، مما أدى لنشوء حركات معارضة تعمل غالباً من خارج الحدود.
ثانياً: الفسيفساء الدينية والعقدية
يخطئ الكثيرون في حصر الكرد داخل بوتقة مذهبية واحدة؛ فالهوية الكردية تتميز بتنوع ديني يضرب جذوره في أعماق التاريخ:
الإسلام السني: يشكل الغالبية العظمى من الكرد (حوالي 75%)، ويتبع معظمهم المذهب الشافعي، وهو ما يميزهم تاريخياً عن جيرانهم الفرس (الشيعة) أو الأتراك (الأحناف).
الإسلام الشيعي: يتواجد الكرد الشيعة (الفيليون) بشكل رئيسي في جنوب إقليم كردستان العراق وفي مناطق من إيران، ولهم تاريخ طويل من المعاناة والتهجير القسري.
الإيزيدية: ديانة قديمة متأصلة في الهوية الكردية، يتركز أتباعها في منطقة “سنجار” بالعراق. تعرضوا لإبادات جماعية تاريخية، كان آخرها على يد تنظيم داعش عام 2014.
يارسان (الكاكائية): ديانة باطنية تتركز في كركوك والسليمانية ومناطق في إيران، وتؤمن بالتناسخ ولها طقوسها الخاصة التي تمزج بين الفلسفات الشرقية القديمة والتصوف.
المسيحية واليهودية: عاش الكرد جنباً إلى جنب مع السريان والآشوريين والمسيحيين الأرمن لقرون. كما كانت هناك طائفة يهودية كردية وازنة هاجر معظمها إلى إسرائيل في الخمسينيات، لكنها لا تزال تحتفظ بتراثها الثقافي الكردي.
العلويون: يتواجد الكرد العلويون بكثافة في تركيا (منطقة ديرسم)، ولهم خصوصية عقائدية تمزج بين التشيع والتصوف والتقاليد المحلية.
ثالثاً: التحديات الجيوسياسية المستقبلية
تعيش جغرافيا كردستان اليوم فوق صفيح ساخن، حيث تتقاطع فيها مصالح دولية كبرى:
الاقتصاد: يمتلك الإقليم مخزونات هائلة من الطاقة، مما يجعله لاعباً مهماً في سوق الغاز والنفط العالمي، لكنه يبقى أسيراً لمسارات التصدير عبر الدول الجارة.
الأمن المائي: تقع معظم منابع نهري دجلة والفرات في مناطق جبلية كردية، مما يجعل المياه ورقة ضغط سياسية كبرى في المستقبل بين تركيا والعراق وسوريا.
الحلم القومي vs الدولة الوطنية: يبقى التحدي الأكبر هو كيفية التوفيق بين الطموح الكردي في تقرير المصير وبين التمسك بالحدود الوطنية القائمة للدول الأربع، وهو صراع يدفع ثمنه المدنيون في مناطق النزاع باستمرار.

اترك تعليقاً