الْعَالَمُ جِهَازٌ صَغِيرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ

 

بِقَلَمِ: عَبْدِالْحَافِظِ الرَّوَّاسِ

 

لَمْ يَكُنْ أَكْثَرُ النَّاسِ تَفَاؤُلًا فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الْمَاضِي يَتَخَيَّلُ أَنَّ الْبَشَرِيَّةَ سَتَصِلُ إِلَى مَرْحَلَةٍ يَكُونُ فِيهَا الْكَوْنُ بِأَسْرِهِ، بِمَجَرَّاتِهِ وَمَعْلُومَاتِهِ وَأَحْدَاثِهِ، مَحْصُورًا فِي قِطْعَةٍ مَعْدِنِيَّةٍ صَغِيرَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ مِسَاحَةَ كَفِّ الْيَدِ. إِنَّهُ الْهَاتِفُ الذَّكِيُّ، ذَلِكَ الْجِهَازُ السِّحْرِيُّ الَّذِي أَلْغَى الْمَسَافَاتِ، وَهَدَمَ الْجُدْرَانَ، وَجَعَلَ الْإِنْسَانَ يَعِيشُ فِي حَالَةٍ مِنَ الِاتِّصَالِ الدَّائِمِ بِالْعَالَمِ الْخَارِجِيِّ. لَكِنَّ هَذَا الِانْفِجَارَ التِّقْنِيَّ، رَغْمَ مَا حَمَلَهُ مِنْ فَرَجٍ وَتَيْسِيرٍ، جَاءَ مَحْمُولًا عَلَى مَوْجَةٍ عَاتِيَةٍ مِنَ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي مَسَّتْ جَوْهَرَ الْحَيَاةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَأَعَادَتْ صِيَاغَةَ مَفَاهِيمِ الِاجْتِمَاعِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْفِكْرِ.

 

**ثَوْرَةُ الِاتِّصَالِ: نِعْمَةُ التَّقَارُبِ الْكَوْنِيِّ**

 

لَا يُمْكِنُ لِأَيِّ مُنْصِفٍ أَنْ يُنْكِرَ أَنَّ هَذَا الْجِهَازَ الصَّغِيرَ قَدْ أَحْدَثَ ثَوْرَةً بَيْضَاءَ فِي حَيَاةِ الْبَشَرِ. فَالْمَعْلُومَةُ الَّتِي كَانَتْ تَتَطَلَّبُ سَفَرًا وَتَنْقِيبًا فِي الْمَكْتَبَاتِ لِأَسَابِيعَ، بَاتَتْ الْيَوْمَ طَوْعَ أَنَامِلِ الْبَاحِثِ فِي أَجْزَاءٍ مِنَ الثَّانِيَةِ. لَقَدْ تَحَوَّلَ الْعَالَمُ إِلَى “قَرْيَةٍ كَوْنِيَّةٍ” حَقِيقِيَّةٍ، حَيْثُ يُمْكِنُ لِفَرْدٍ فِي أَقْصَى الْمَشْرِقِ أَنْ يُحَادِثَ آخَرَ فِي أَقْصَى الْمَغْرِبِ بِالصَّوْتِ وَالصُّورَةِ، مِمَّا عَزَّزَ مِنَ التَّبَادُلِ الثَّقَافِيِّ وَأَدَّى إِلَى تَقَارُبِ الرُّؤَى الْإِنْسَانِيَّةِ.

 

فِي مَجَالِ التَّعْلِيمِ، فَتَحَ هَذَا الْجِهَازُ آفَاقًا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً مِنْ قَبْلُ. فَالتَّعَلُّمُ الذَّاتِيُّ أَصْبَحَ مَتَاحًا لِلْجَمِيعِ، وَالدَّوْرَاتُ التَّدْرِيبِيَّةُ مِنْ أَعْرَقِ الْجَامِعَاتِ الْعَالَمِيَّةِ بَاتَتْ تُقَدَّمُ مَجَّانًا أَوْ بِمَبَالِغَ رَمْزِيَّةٍ عَبْرَ التَّطْبِيقَاتِ. كَمَا أَنَّ الصِّحَّةَ لَمْ تَكُنْ بَعِيدَةً عَنْ هَذَا التَّطَوُّرِ؛ إِذْ مَكَّنَتِ الْأَجْهِزَةُ الذَّكِيَّةُ الْمَرْضَى مِنْ مُتَابَعَةِ حَالَتِهِمْ، وَالتَّوَاصُلِ مَعَ الْأَطِبَّاءِ عَنْ بُعْدٍ، مِمَّا أَنْقَذَ أَرْوَاحًا كَثِيرَةً فِي الْمَنَاطِقِ النَّائِيَةِ.

 

وَمِنَ النَّاحِيَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ، خَلَقَ الْعَالَمُ الرَّقْمِيُّ فُرَصَ عَمَلٍ لَمْ يَعْرِفْهَا التَّارِيخُ؛ فَالتِّجَارَةُ الْإِلِكْتُرُونِيَّةُ، وَالْعَمَلُ الْحُرُّ، وَالتَّسْوِيقُ الرَّقْمِيُّ، كُلُّهَا مَجَالَاتٌ فَتَحَتْ أَبْوَابَ الرِّزْقِ لِلْمَلَايِينِ، وَسَاهَمَتْ فِي تَقْلِيصِ نِسَبِ الْبِطَالَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُجْتَمَعَاتِ. هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الْمُشْرِقُ لِلْعُمْلَةِ، حَيْثُ يَبْدُو الْجِهَازُ كَأَنَّهُ مِصْبَاحُ عَلَاءٍ الدِّينِ الَّذِي يُحَقِّقُ الْأَمَانِيَّ بِلَمْسَةٍ وَاحِدَةٍ.

 

**الْوَجْهُ الْمُظْلِمُ: عُبُودِيَّةُ الشَّاشَاتِ وَتَمَزُّقُ النَّسِيجِ الِاجْتِمَاعِيِّ**

 

عَلَى الضَّفَّةِ الْأُخْرَى، يَبْرُزُ الْحَدُّ الثَّانِي لِهَذَا السِّلَاحِ، وَهُوَ حَدٌّ قَاطِعٌ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى تَمْزِيقِ الْقِيَمِ وَالْمَبَادِئِ إِذَا لَمْ نُحْسِنِ التَّعَامُلَ مَعَهُ. إِنَّ أَخْطَرَ مَا يُوَاجِهُنَا الْيَوْمَ هُوَ “الِاسْتِلَابُ الرَّقْمِيُّ”. لَقَدْ أَصْبَحَ الْإِنْسَانُ عَبْدًا لِهَذَا الْجِهَازِ؛ لَا يَمُرُّ عَلَيْهِ دَقَائِقُ دُونَ أَنْ يَتَفَقَّدَ الْإِشْعَارَاتِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى حَالَةٍ مِنَ التَّشَتُّتِ الذِّهْنِيِّ وَضَعْفِ التَّرْكِيزِ. هَذَا الِادْمَانُ الرَّقْمِيُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَادَةٍ سَيِّئَةٍ، بَلْ هُوَ تَغْيِيرٌ بِيُولُوجِيٌّ فِي طَرِيقَةِ عَمَلِ الدِّمَاغِ، حَيْثُ تَعْمَلُ التَّطْبِيقَاتُ بِخَوَارِزْمِيَّاتٍ مُصَمَّمَةٍ خِصِّيصًا لِتَحْفِيزِ هُرْمُونِ “الدُّوبَامِينِ”، مِمَّا يَجْعَلُ الْفَرْدَ فِي لَهَاثٍ دَائِمٍ خَلْفَ “الْإِعْجَابَاتِ” وَالْمُتَابَعَاتِ.

 

وَلَعَلَّ الضَّحِيَّةَ الْأَكْبَرَ لِهَذِهِ التَّكْنُولُوجْيَا هِيَ الْأُسْرَةُ. فَبَيْنَمَا كَانَ الْهَدَفُ تَقْرِيبَ الْبَعِيدِ، انْتَهَى بِنَا الْأَمْرُ إِلَى تَبْعِيدِ الْقَرِيبِ. نَجْتَمِعُ فِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنَّا يَعِيشُ فِي عَالَمِهِ الْخَاصِّ خَلْفَ شَاشَتِهِ. غَابَ الْحِوَارُ الْأُسَرِيُّ، وَانْتَفَتْ حَمِيمِيَّةُ النَّظَرَاتِ، وَحَلَّتْ مَحَلَّهَا الرَّسَائِلُ الْجَافَّةُ وَالرُّمُوزُ التَّعْبِيرِيَّةُ. لَقَدْ تَمَّ اغْتِيَالُ “اللَّحْظَةِ الرَّاهِنَةِ” لِصَالِحِ تَصْوِيرِهَا وَنَشْرِهَا، فَأَصْبَحْنَا نَهْتَمُّ بِأَنْ يَرَى النَّاسُ أَنَّنَا سُعَدَاءُ أَكْثَرَ مِنِ اهْتِمَامِنَا بِأَنْ نَكُونَ سُعَدَاءَ حَقًّا.

 

**التَّهْدِيدَاتُ الْأَمْنِيَّةُ وَانْتِهَاكُ الْخُصُوصِيَّةِ**

 

لَمْ يَعُدِ الْجِهَازُ الصَّغِيرُ مَخْزَنًا لِلذِّكْرَيَاتِ فَحَسْبُ، بَلْ أَصْبَحَ جَاسُوسًا يَتَلَصَّصُ عَلَى أَدَقِّ تَفَاصِيلِ حَيَاتِنَا. إِنَّ بَيَانَاتِنَا الشَّخْصِيَّةَ، وَتَحَرُّكَاتِنَا، وَحَتَّى رَغَبَاتِنَا الَّتِي نَبُوحُ بِهَا لِمُحَرِّكَاتِ الْبَحْثِ، بَاتَتْ سِلْعَةً تُبَاعُ وَتُشْتَرَى فِي سُوقِ “الْبَيَانَاتِ الضَّخْمَةِ”. هَذِهِ الِاسْتِبَاحَةُ لِلْخُصُوصِيَّةِ عَرَّضَتِ الْأَفْرَادَ لِمَخَاطِرَ جَمَّةٍ، بَدْءًا مِنَ الِاحْتِيَالِ الْمَالِيِّ، وُصُولًا إِلَى الِابْتِزَازِ الْإِلِكْتُرُونِيِّ الَّذِي دَمَّرَ مَسْتَقْبَلَ الْكَثِيرِينَ.

 

وَمِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى، بَاتَ هَذَا الْجِهَازُ مِطْرَقَةً تُهَدِّمُ السَّلْمَ الِاجْتِمَاعِيَّ عَبْرَ نَشْرِ الشَّائِعَاتِ وَالْأَخْبَارِ الزَّائِفَةِ. فَالْمَعْلُومَةُ الْمَغْلُوطَةُ تَنْتَشِرُ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ، وَتُؤَدِّي إِلَى إِثَارَةِ الْفِتَنِ وَتَأْجِيجِ الصِّرَاعَاتِ الطَّائِفِيَّةِ وَالْعِرْقِيَّةِ. لَقَدْ أَصْبَحَ مَن صَعْبٍ جِدًّا التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالتَّزْيِيفِ فِي ظِلِّ تَقْنِيَّاتِ “التَّزْيِيفِ الْعَمِيقِ”، مِمَّا يَجْعَلُ الْعَقْلَ الْبَشَرِيَّ عُرْضَةً لِلتَّضْلِيلِ الْمُمَنْهَجِ.

 

**تَأْثِيرُ الْفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ عَلَى الصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ**

 

إِنَّ النَّظَرَ الْمُسْتَمِرَّ إِلَى “الْحَيَاةِ الْمِثَالِيَّةِ” الَّتِي يَعْرِضُهَا الْمَشَاهِيرُ وَالْمُؤَثِّرُونَ عَلَى مَنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ خَلَقَ نَوْعًا مِنَ الشُّعُورِ بِالنَّقْصِ لَدَى الْكَثِيرِ مِنَ الشَّبَابِ. نَشَأَ جِيلٌ يُعَانِي مِنَ الْقَلَقِ الدَّائِمِ وَالِاكْتِئَابِ بِسَبَبِ الْمُقَارَنَاتِ الظَّالِمَةِ بَيْنَ وَاقِعِهِ الصَّعْبِ وَبَيْنَ صُوَرٍ مُصَنَّعَةٍ لَا تَعْكِسُ الْحَقِيقَةَ. هَذِهِ “الْفَجْوَةُ النَّفْسِيَّةُ” أَدَّتْ إِلَى تَزَايُدِ حَالَاتِ الْعُزْلَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، حَيْثُ يَفْضُلُ الْفَرْدُ الْعَيْشَ فِي عَالَمِهِ الِافْتِرَاضِيِّ بَدَلًا مِنْ مُوَاجَهَةِ الْتِزَامَاتِ الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ.

 

كَمَا لَا يُمْكِنُ إِغْفَالُ الْأَثَرِ الْبَدَنِيِّ؛ فَالْجُلُوسُ الطَّوِيلُ وَانْحِنَاءُ الرَّقَبَةِ أَمَامَ الشَّاشَاتِ أَدَّى إِلَى مَشَاكِلَ صِحِّيَّةٍ مُزْمِنَةٍ، نَاهِيكَ عَنْ ضَعْفِ النَّظَرِ وَاضْطِرَابَاتِ النَّوْمِ النَّاتِجَةِ عَنِ “الضَّوْءِ الْأَزْرَقِ” الَّذِي تَنْبَعِثُ مِنْهُ تِلْكَ الْأَجْهِزَةُ، مِمَّا يُؤَثِّرُ سَلْبًا عَلَى النَّشَاطِ الْيَوْمِيِّ وَالْإِنْتَاجِيَّةِ.

 

**الْمَسْؤُولِيَّةُ الْأَخْلَاقِيَّةُ وَدَوْرُ الرَّقَابَةِ الذَّاتِيَّةِ**

 

إِنَّ الْجِهَازَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ جَمَادٌ لَا يَمْلِكُ إِرَادَةً، بَلِ الْإِرَادَةُ فِيمَنْ يَحْمِلُهُ. وَمِنْ هُنَا تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ الْوَعْيِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ. يَجِبُ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ نَكْتُبُهَا، وَكُلَّ مَقْطَعٍ نُشَارِكُهُ، هُوَ جُزْءٌ مِنْ أَثَرِنَا فِي هَذَا الْكَوْنِ. لَقَدْ مَحَتِ التَّكْنُولُوجْيَا الْحُدُودَ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، لَكِنَّهَا لَمْ تَمْحُ الْقِيَمَ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَحْكُمَ تَعَامُلَنَا مَعَ الْآخَرِينَ.

 

عَلَى الْمُؤَسَّسَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ وَالْإِعْلَامِيَّةِ أَنْ تَقُومَ بِدَوْرِهَا فِي صِنَاعَةِ “الْمُوَاطِنِ الرَّقْمِيِّ الصَّالِحِ” الَّذِي يَعْرِفُ كَيْفَ يَسْتَفِيدُ مِنَ التِّقْنِيَّةِ دُونَ أَنْ يَقَعَ فِي فِخَاخِهَا. إِنَّ التَّحَدِّيَ لَيْسَ فِي مَنْعِ هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ، فَهَذَا ضَرْبٌ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ، بَلِ التَّحَدِّي فِي تَرْبِيَةِ النُّفُوسِ عَلَى الرَّقَابَةِ الذَّاتِيَّةِ.

 

**التَّكْنُولُوجْيَا كَأَدَاةٍ لِلتَّغْيِيرِ الْإِيجَابِيِّ**

 

رَغْمَ كُلِّ السَّلْبِيَّاتِ، يَبْقَى الْأَمَلُ مَعْقُودًا عَلَى تَحْوِيلِ هَذَا الْجِهَازِ إِلَى مِعْوَلِ بِنَاءٍ. يُمْكِنُنَا اسْتِخْدَامُ مَنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ لِنَشْرِ الْفَضِيلَةِ، وَتَوْعِيَةِ النَّاسِ بِحُقُوقِهِمْ، وَدَعْمِ الْقَضَايَا الْإِنْسَانِيَّةِ الْعَادِلَةِ. لَقَدْ شَاهَدْنَا كَيْفَ سَاهَمَتِ الْهَوَاتِفُ الذَّكِيَّةُ فِي تَوْثِيقِ التَّجَاوُزَاتِ وَتَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَوَادِثِ الْعَالَمِيَّةِ، وَكَيْفَ بَاتَتْ صَوْتَ مَنْ لَا صَوْتَ لَهُ.

 

إِنَّ الْإِبْدَاعَ الْبَشَرِيَّ لَا حُدُودَ لَهُ، وَعِنْدَمَا يَمْتَزِجُ الْعَقْلُ بِالْقِيَمِ، نَسْتَطِيعُ أَنْ نَجْعَلَ مِنَ الْعَالَمِ الرَّقْمِيِّ مَكَانًا أَجْمَلَ. يُمْكِنُ لِلطَّالِبِ فِي قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ أَنْ يُنَافِسَ عُلَمَاءَ نَاسَا إِذَا أَحْسَنَ اسْتِخْدَامَ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُمْكِنُ لِلْمُفَكِّرِ أَنْ يَنْشُرَ فِكْرَهُ الْمُسْتَنِيرَ لِيَصِلَ إِلَى الْمَلَايِينِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.

 

**اسْتِشْرَافُ الْمُسْتَقْبَلِ: الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ وَمَا بَعْدَهُ**

 

نَحْنُ الْيَوْمَ نَقِفُ عَلَى أَعْتَابِ مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ، حَيْثُ يَنْدَمِجُ الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ بِشَكْلٍ كَامِلٍ فِي أَجْهِزَتِنَا الْمَحْمُولَةِ. هَذَا يَعْنِي أَنَّ الْجِهَازَ لَنْ يَعُودَ مُجَرَّدَ نَاقِلٍ لِلْمَعْلُومَاتِ، بَلْ سَيُصْبِحُ شَرِيكًا فِي اتِّخَاذِ الْقَرَارِ. هُنَا تَزْدَادُ الْخُطُورَةُ وَتَتَضَاعَفُ الْمَسْؤُولِيَّةُ. هَلْ سَنَسْمَحُ لِلْخَوَارِزْمِيَّاتِ أَنْ تُقَرِّرَ لَنَا مَاذَا نَأْكُلُ، وَمَاذَا نَلْبَسُ، وَبِمَاذَا نُؤْمِنُ؟ أَمْ سَنُحَافِظُ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنْ “الْإِنْسَانِيَّةِ” الَّتِي تُمَيِّزُنَا؟

 

إِنَّ الْمُسْتَقْبَلَ يَتَطَلَّبُ مِنَّا تَحْدِيثًا لَيْسَ لِأَنْظِمَةِ التَّشْغِيلِ فِي هَوَاتِفِنَا، بَلْ لِأَنْظِمَةِ التَّفْكِيرِ فِي عُقُولِنَا. يَجِبُ أَنْ نَتَعَلَّمَ “الْأُمِّيَّةَ الرَّقْمِيَّةَ” بِمَعْنَاهَا الْعَصْرِيِّ، أَيْ أَلَّا نَنْقَادَ كَالْقَطِيعِ خَلْفَ كُلِّ صَيْحَةٍ تِقْنِيَّةٍ، بَلْ نُمَحِّصُ وَنَخْتَارُ مَا يَنْفَعُنَا وَيَرْفَعُ مِنْ شَأْنِنَا.

 

**الْخَاتِمَةُ: السَّيْطَرَةُ عَلَى الْأَدَاةِ لَا الِاسْتِسْلَامُ لَهَا**

 

فِي الِخِتَامِ، يَبْقَى هَذَا الْعَالَمُ الرَّقْمِيُّ الْقَابِعُ بَيْنَ أَيْدِينَا بِمَثَابَةِ مِرْآةٍ تَعْكِسُ مَا فِي دَوَاخِلِنَا. إِنَّهُ جِهَازٌ صَغِيرٌ فِي حَجْمِهِ، لَكِنَّهُ عِمْلَاقٌ فِي تَأْثِيرِهِ؛ فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ سُلَّمًا نَرْتَقِي بِهِ نَحْوَ مَعَارِجِ الْعِلْمِ وَالرُّقِيِّ، أَوْ هَاوِيَةً نَسْقُطُ فِيهَا فَنَفْقِدُ هُوِيَّتَنَا وَإِنْسَانِيَّتَنَا. إِنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ فِيمَا يَمْلِكُهُ الْجِهَازُ مِنْ تِقْنِيَّاتٍ، بَلْ فِيمَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ وَعْيٍ وَإِرَادَةٍ لِتَوْجِيهِ هَذِهِ التِّقْنِيَّاتِ نَحْوَ الْخَيْرِ وَالْبِنَاءِ. فَلْنَجْعَلْ مِنْ هَذِهِ الشَّاشَاتِ نَوَافِذَ لِلضَّوْءِ، لَا جُدْرَانًا تَعْزِلُنَا عَنْ نُورِ الْحَقِيقَةِ وَدِفْءِ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ الصَّادِقَةِ، وَلْنَتَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ الْحَيَاةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَحْدُثُ هُنَا، خَارِجَ نِطَاقِ الْبِكْسِلَاتِ وَبَعِيدًا عَنْ ضَجِيجِ التَّنْبِيهَاتِ.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *