صلاح منصور.. “عمدة” الوجع والكبرياء الذي وزّع الشربات في جنازة ابنه ورحل وصيةً بالابتسام

كتبت سحر مهني

 

لم يكن الفنان الراحل صلاح منصور مجرد وجه سينمائي برع في أداء أدوار الشر والجبروت على الشاشة، بل كان في الحقيقة بطلاً لقصة تراجيدية واقعية، عاش فصولها بين حب جارف، وفقد مأساوي، وكبرياء لم تنحنِ أمام المرض أو الفقر.

قصة حب عابرة للحدود

بدأت حكاية “العمدة” بقلبٍ خفق للسيدة “رقية”، الأرمينية التي لم تتردد في اعتناق الإسلام من أجله، ليشيّدا معاً بيتاً كان يحلم أن تملأ جنباته ضحكات الأبناء. لكن القدر اختار أن يمتحن هذا الأب في أعز ما يملك، ليتحول بيته من مرفأ للضحك إلى مدرسة في الصبر والصمود.

ثبات الجبال في رحيل “البطل”

جاء الاختبار الأول في حرب أكتوبر 1973، حين نال ابنه الأكبر “هشام” الشهادة في سبيل الوطن. في تلك اللحظة، تجلت عزة نفس صلاح منصور في أسمى صورها؛ فلم يذرف دمعة واحدة أمام الناس، بل استقبل الخبر بوزع “شربات” فخراً ببطولة ابنه، وكتم خلف ملامحه الصارمة وجعاً يهدّ الجبال، مؤثراً أن يحتفل بـ “عرس الشهيد” على أن يظهر انكسار الأب.

عجز الأب.. حين تذوب الثروة ويبقى الوجع

ولم يكد يضمد جراحه، حتى جاء الاختبار الثاني الأكثر قساوة؛ حيث أصيب ابنه الثاني بمرض عضال. هنا، تحول “العمدة” إلى مقاتل في ساحة أخرى، جاب بلاد العالم شرقاً وغرباً باحثاً عن شفاء لفلذة كبده. أنفق صلاح منصور كل ما جناه من فنّه، وصرف “كل مليم” في ثروته، حتى لم يتبقَّ معه ما يعينه على مواجهة الحياة، عيشاً منه في عجز الأب الذي يرى ابنه يتألم ولا يملك له من أمره شيئاً.

النهاية الحزينة والوصية الأخيرة

وعلى خطى التراجيديات الكبرى، لم يسلم جسد صلاح منصور نفسه من النهش؛ حيث هاجمه المرض اللعين في سنواته الأخيرة. وبدلاً من طلب العون أو الشكوى، استمر في العمل وهو يعتصر ألما، مخفياً مرضه عن أقرب المقربين حتى لا يكون “حملاً” على أحد، محافظاً على صورته القوية التي أحبها الجمهور.

وقبيل رحيله، ترك وصية تقطر حزناً وعزة نفس، حيث طلب من أحبابه قائلاً: «ماتعيطوش.. طول عمري كنت بكره أشوف الدموع في عينيكم، ومش هحبها بعد ما أموت».

رحل صلاح منصور، تاركاً خلفه إرثاً فنياً لا يموت، ودرساً إنسانياً في أن القوة الحقيقية ليست في السيطرة على الآخرين (كما فعل في فيلم الزوجة الثانية)، بل في السيطرة على الوجع الذاتي وحماية من نحب حتى آخر رمق.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *