قصه وعبره: ما وراء ستار الغيب٠٠مدرسة اليقين في رحلة موسى والخضر

كتبت سحر مهني

 

تبدأ الحكاية بوقوف موسى عليه السلام خطيباً في بني إسرائيل، فلما سُئل: “أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟” قال: “أَنَا”، فعاتبه الله إذ لم يردَّ العلم إليه، وأخبره أن هناك عبداً عند “مجمع البحرين” هو أعلم منه. انطلق موسى باحثاً عن هذا العبد، ليس طلباً للملك أو المال، بل طلباً لـ “رُشداً”.

المشهد الأول: السفينة (الشر الظاهري يحمل نجاةً خفية)

ركبا في السفينة، وبينما هما في عرض البحر، قام الخضر بخرق لوح منها بآلة كانت معه. صُعق موسى! هؤلاء القوم حملوهما دون أجر، فكيف يكون الجزاء تخريب سفينتهم؟

اعتراض موسى: “أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا”.

الحقيقة الغيبية: كان هناك ملك ظالم وراءهم يصادر كل سفينة “سليمة” قسراً.

العبرة: أحياناً يبتليك الله بـ “عيب” في رزقك، أو “تعثر” في مشروعك، أو “وعكة” في جسدك، فتظنها خسارة، وهي في الحقيقة “العلامة” التي ستحميك من طمع الأعداء أو ضياع كليٍّ لا تدركه. (النقص أحياناً هو عين التمام).

المشهد الثاني: الغلام (الفقد الموجع يحمل رحمةً مستقبلية)

لقيا غلاماً يلعب مع أقرانه، فقام الخضر بقتله. هنا لم يتمالك موسى نفسه، فالمشهد قاسٍ ولا مبرر له في موازين البشر.

اعتراض موسى: “أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا”.

الحقيقة الغيبية: هذا الغلام كان سيشبُّ جباراً كافراً، وسيُرهق والديه المؤمنين طغياناً وكفراً حتى يضلهما. فأراد الله قبض روحه وهو صغير ليدخله الجنة، ويحمي دين والديه، ويبدلهما بمن هو خير منه ديناً وبرّاً.

العبرة: أعظم أنواع الصبر هو الصبر على “الفقد”. نحن نرى الموت نهاية، والله يراه “وقاية”. قد يحرمك الله من “عزيز” أو “أمنية” لأنه يعلم أن بقاءها سيفسد قلبك أو يدمر آخرتك. (المنع هو عين العطاء).

المشهد الثالث: الجدار (العمل الصامت والوفاء للغائب)

دخلا قرية استعصمت عليهما الطعام والضيافة. وفي زقاق من أزقتها، وجدا جداراً مائلاً يوشك على السقوط، فأقامه الخضر بيده دون مقابل.

اعتراض موسى: “لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا” (على الأقل لنشتري طعاماً!).

الحقيقة الغيبية: تحت هذا الجدار كنز ليتيمين في المدينة، وكان أبوهما رجلاً صالحاً. لو سقط الجدار الآن، لظهر الكنز وسرقه أهل القرية البخلاء قبل أن يشتد عود اليتيمين.

العبرة: “وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا”. صلاحك الشخصي هو أعظم تأمين وتأشيرة حماية لأبنائك من بعدك. الله يسخر جنوده (حتى الأنبياء) ليخدموا مصالح الضعفاء وفاءً لعهد قديم مع “أب صالح”. (تدبير الله يمتد عبر الأجيال).

الخلاصة: فلسفة “وعسى أن تكرهوا”

هذه القصة لا تخبرنا فقط عما حدث لموسى، بل هي مرآة لحياتنا:

العلم القاصر والعلم المحيط: نحن نرى “لقطة” من الفيلم، والله يرى “القصة كاملة”.

أدب الصبر: الخضر لم يفسر شيئاً إلا في النهاية، لأن اليقين يتطلب انتظاراً.

اللطف الخفي: في كل محنة تمر بك، هناك “خضر” غيبي يعمل لصالحك بأمر الله، يسد ثقباً، أو يزيح عائقاً، أو يبني لك جداراً وأنت لا تدري.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *