صافيناز زادة :
أغلبنا هيقرأ النهاردة الجزء التاسع عشر من القرآن، وخلّيني أقولك إننا وصلنا لمنطقة الفلترة الحقيقية في القرآن!
الجزء دا بيمثل المِراية اللي بتكشفنا قدام نفسنا، وبيدينا كتالوج نقدر نواجه بيه مُجتمع مليان تناقضات، وبياخدنا في رحلة عميقة بين ٣ سور: (الفُرقان، الشُّعراء، وبدايات النَّمل) وتعالوا نمسكهم سورة سورة، ونفهم الجزء دا بيقولنا إيه:
🔶 سُورة الفُرقَان:
علشان نفهم السورة دي نزلت ليه! لازم نرجع بالزمن ونعيش الأجواء المكيّة، السورة دي نزلت في وقت قُريش جابوا فيه آخرهم، وصلوا لقمِّة التبجُّح والتطاول الصريح، وعملوا حملة تشويه ممنهجة على ٣ مستويات:
– المستوى الأول: التطاول على النبي والقرآن!
سابوا النقاش بالعقل، وبدأوا يتريقوا على حياة النبي البسيطة: (وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ)؟ إزاي نبي وبياكل وبيمشي في الأسواق يبيع ويشتري وياكل عيش ويشتغل زينا؟ ليه مانزلش معاه مَلَك يحميه؟ استهزاء الغرض منه كسر هيبته قدام الغلابة، ويخلوهم يشغّلوا دماغهم في المادِّيات بدل ما يفكروا في العقيدة!
ومِش بس كدا، دول طعنوا في القرآن وقالوا عليه (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا)، وشوية يتريقوا ويقولوا ليه القرآن مانزلش مرة واحدة بدل ما بينزل مُتقَطِّع كدا!
🔹 المحطة الأولى (شكوى النبي):
ونتيجة لكل الاستهزاء، والهجر، والتكذيب دا.. بتيجي آية بتهز الدنيا، مشهد من مشاهد يوم القيامة بيزلزِل أي إنسان عاقل: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) تخيل الرُعب.. إنت جاي يوم القيامة عريان ومفزوع، وتعبان في دنيتك، وبتجري تدور على سيدنا محمد ﷺ علشان تشرب من إيده شربة ميَّه وتترجاه يشفعلك.. فتتفاجئ إن النبي ﷺ واقف قدام ربنا بيشتكيك إنت!
بيقول: يارب، أمّتي هجرت رسالتي ومُعجزتي! هجروا تلاوته، وهجروا العمل بيه! القرآن بقى مجرد مصحف شِيك محطوط في النيش للبركة، بنقرأه في العزا، لكن بنيجي في الزواج، والميراث، وحقوق الناس، وتربية العيال.. ونركن القرآن على الرف ونمشي بـ (العادات والتقاليد ودماغنا)! هل ترضى وتقدر تستحمل إن شفيعك يكون هو خِصمك يوم القيامة؟!
– المستوى التاني: السر ورا تطاول قُريش:
طيب هما ليه بيعملوا كل ده؟ هل مِش لاقيين أدلة؟
لاء، السورة بتكشف المرض الحقيقي في الآية دي: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ) القصة إنهم خايفين على كراسيهم، وشهواتهم، ومصالحهم!
والآية دي بتضرب في صميم مُجتمعنا النهاردة! الأصنام مابقاش اسمها اللات والعُزّى، الصنم الأكبر النهاردة هو الهوى والمَزاج! لمّا تلاقي إنسان بيفصَّل الدين على مقاسه.. بياخد اللي يريحه، ويرفض اللي يضايقه ويقول: أنا مش مقتنع! والتاجر اللي بيحتكر السِّلَع ويغلِّيها على الغلابة علشان يكسب، وبيحلل لنفسه الحرام بحجة إن السوق كله كدا! والأخ اللي بياكل حق إخواته البنات في الميراث بحجة إن الفلوس مابتروحش لغريب ولجوزها! والموظف اللي بيزوَّغ من شغله أو بيقبل رشوة متغلفة وبيسميها إكرامية ودُخان علشان يمشي المَصلحة! أهو كل دول عبَدوا هواهم ومزاجهم ومصلحتهم من دون الله!
– المستوى التالت: قمة الفُجر:
وصل بيهم الكِبر والعِند إنهم يتطاولوا على الخالق نفسه.. لما اتقالهم اسجدوا للرحمن، قالوا بكل بجاحة وتكبُّر: (وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا) بيستنكروا اسم ربنا ومقامه!
وهنا.. القرآن ماردش عليهم بنفس المستوى، ربنا رد عليهم بـ (الروشتة) اللي هتبني الأمَّة، رد عليهم بصفات الناس اللي عرفت قدر الرحمن بجد، ودخَّلنا على أعظم ختام في السورة..
🔹 المحطة التانية – عِبَادُ الرَّحْمَٰن:
ولأن المُشركين دول اتكبَّروا وقالوا (وما الرحمن؟)، ربنا رد عليهم ببيان عظمة العِباد اللي بيعبدوه، وإدّالنا في أواخر السورة شوية صفات للناس اللي استحقّوا لقب عِباد الرحمن، تعالوا نفصصهم ونشوف إحنا فين منهم:
١. (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا):
التواضع في زمن كُله ماديّة ومَنظرة واستعراض! الناس بقت بتمشي تتعالى على بعض باستحقاقية فظيعة، وبيدوسوا على مشاعر الغلابة! عباد الرحمن ماشيين في الدنيا بالهَون والسكينة وجبر الخواطر، ومابيتعالوش على حد مهما ربنا إدّاهم مناصب وفلوس!
٢. (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا):
بيشتروا دماغهم ودينهم! لأن المؤمن مابيحرقش بنزينه ولا بيهلك أعصابه في الجدال العقيم.. سواء مع صاحب حقود بيستفزه في الشغل، أو نقاش عقيم ملوش لازمة في قعدة عائلية، أو كومنت مُستفِز! المؤمن بيترفَّع عن السفاهة، وبيقول “سلامًا” وبيكمل طريقه ويوفر طاقته لعبادته ومُستقبله وحياته!
٣. (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا):
في زمن كل حاجة بنعملها لازم تتصور وتنزل ستوري والناس تشوفها، عباد الرحمن ليهم رصيد في الضلمة ماحدش يعرفه غير ربنا، ركعتين في نص الليل والبيت كله نايم ومفيش فيهم رياء ولا شُو، همّا دول العواميد اللي بتسندك بالنهار.
٤. (يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ):
رغم إنهم متواضعين، ومُسالمين، وبيصلوا بالليل.. إلا إنهم مِش مغرورين بعبادتهم! مابيمشوش يقولوا إحنا ضامنين الجنة، بالعكس، دايماً خايفين أعمالهم ماتتقبلش، وبيدعوا ربنا يصرف عنهم النار، ودا قمّة الأدب مع الله.
٥. (إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا):
إدارة مالية ربّانية! مفيش تبذير وإسراف في تفاهات علشان بس المنظرة ومُجاراة الناس، وفي نفس الوقت مفيش بخل وتقتير على أهل البيت، عايشين بنظريّة الـ (قوامًا)، يعني وَسَط واتزان بيحميهم من ذُل الدَّين.
٦. (لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ…):
مُحافظين على ٣ حاجات أساسية بتهد أي مجتمع: عقيدتهم خالصة لله، وماعندهومش إلـٰه مَزاج ومصلحة، ومابيأذوش حد ولا بيستبيحوا حقوق وأرواح غيرهم، ومُحافظين على عِفّتهم وبيوتهم في زمن كِترت فيه الفِتن والمُغريات زي الرُز!
٧. (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ):
مابيشهدش زُور علشان يِرضي مديره أو قريبه، ومابيقعدش في قَعدات فيها نميمة أو تشويه لسُمعة حد، والزور هنا مِش بس في المحكمة، الزور هو أي مكان فيه باطل، المؤمن بينسحب منه بشياكة وبيوصّل رسالة.
٨. (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا):
لو لقى نفسه صدفة وسط تفاهة، أو إشاعات، أو تريند ملوش لازمة، مابينغمسش فيه! بيعمل تخطِّي ويمر بكرامة وعزة نفس من غير ما يتلوث.
٩. (إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا):
لما بيسمع نصيحة، أو خُطبة، أو آية بتوجعه وبتفكّره بذنب.. مابيكابرش ويعاند ويعمل نفسه مش سامع! بيعترف بغلطه، وقلبه بيتليِّن بسرعة، وبيراجع نفسه فورًا وبيستغفِر!
١٠. (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ):
دعاء مستمر إن بيتهم وعيالهم يكونوا صالحين وبارِّين.. ومِش بس كدا، دول طموحهم عالي جدًا، بيختموا دعائهم بـ (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)! مِش عايزين يبقوا مجرد ناس عادية، دول عايزين يكونوا قُدوة ومِثال في الخير، ومؤثرين إيجابيين لكل اللي حواليهم!
» الجايزة الكبرى:
علشان تعبوا، وجاهدوا نفسهم في الصفات دي، ربنا ختم السورة بالجايزة اللي تنسي أي تعب في الدنيا: (أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا).. الغرفة دي هي أعلى وأرقى مَنازل الجنة، هيدخلوها بسلام وكرامة، وكل تعب الدنيا هيتبخر مع أول غمسة فيها!
🔶 سُورة الشُّعَرَاء:
بنسيب سورة الفرقان، وبندخل على سورة الشعراء.. علشان تفهم السورة دي بتخاطب إيه بالظبط، لازم تعرف الجو بتاع العرب زمان.. الشِّعر عندهم مكانش مُجرد فنّ أو كلمتين رومانسيين! لاء، الشِّعر كان هو السوشيال ميديا والإعلام بتاعهم، والشاعِر كان زي البلوجر والمُؤثِّر حاليًا، وكان يقدر يمشّي قبيلة أو بلد بحالها، وكلمة منه يرفعهم لسابع سماء، وبكلمة ينزل بيهم الأرض، والعرب كانوا مُلوك الفصاحة والكلام، فربنا نزِّل السورة دي علشان يتحدّاهم في أعظم حاجة بيفتخروا بيها، وعلشان يوضحلهم تأثير الكلمة اللي بتبني والكلمة اللي بتخرِب!
والسورة دي مكيّة، نزلت في عز استضعاف المُسلمين علشان تهوِّن عليهم، وبتحكيلنا قصص ٧ أنبياء مع أقوامهم، وهنركّز على محطتين منها في غاية الخُطورة:
🔹 المحطة التالتة – عُقدة الكُبراء:
لما تقرأ السورة دي وتمشي مع قصص الأنبياء الـ ٧ (موسى، إبراهيم، نوح، هود، صالح، لوط، شعيب)، هتلاقي إن السيناريو بيتكرر بالملّي! دايماً الحق بيبدأ غريب ومُحارب، واللي بيقف قدامه دايمًا فئة اسمها (الْمَلَأُ).. كبار القوم، والأغنياء، وأصحاب السُلطة والفلوس، والسورة بتكشفلنا عقلية الفئة دي بآيات مُرعبة، وتوريك إزاي بيقيسوا الحق بالطبقة الاجتماعية!
بُص على رد قوم سيدنا نوح عليه، ربنا بيوثق بجاحتهم: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) يعني إنت عايزنا إحنا يا كبار البلد نآمن بيك، ونقف في نفس الصف مع شوية فقراء وعبيد وناس غلابة زي الأرذلون اللي اتبعوك دول!
وبُص على فرعون وهو بيستخدم نفوذه وسُلطته علشان يِخرس سيدنا موسى لمَّا غَلَبُه بالحُجّة: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) مِش فاضي يستخدم عقله، وبيستخدم منطق القوة والسُلطة بس!
ولأن المواجهة دي صعبة وبتحسس صاحب الحق بالوحدة والكسرة، ربنا كان بيعقَّب بعد نهاية قصة كُل نبي وهلاك الظالمين بآية ثابتة بتتكرر ٨ مرات في السورة علشان تهوِّن وتطمِّن قلب النبي ﷺ وقلب كل مؤمن: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).
الآيات دي والقَصص دي بتنزل زي البلسم على قلب كل إنسان متربي، وحاسس إنه غريب وضعيف في بيئته علشان مُتمسِّك بدينه وعقيدته!
زي الموظف الشريف اللي بيعاني في بيئة عمل كلها رشاوي وتلاعب، ولما بيرفض يمشي في السكة دي، المديرين بيحاربوه وبيستقصدوه وبيرازوا فيه! والشاب أو البنت اللي مُتمسكين بأخلاقهم وحيائهم، وبيتعرضوا لتنمُّر من مجتمع (الْمَلَأُ) الحالي اللي بيقيسوا قيمة الإنسان بماركة لبسه وعربيته وبيعتبروا المحترم مُتخلِّف ودقة قديمة! والإنسان اللي بيقف مع الحق في مشكلة عائلية علشان الميراث أو حق أيتام، فالعيلة كلها تقاطعه علشان وقف قصاد كبير العيلة اللي معاه فلوس وعزوة!
السورة هنا بتديك بتقولك.. إوعى تستوحش طريق الحق لمجرد إن اللي ماشيين فيه قليلين (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ)، وإوعى تتغر بالباطل وتخاف منه لمجرد إن صوته عالي ومُزعِج، وربنا ختم التعقيب باسمين (الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ):
(العزيز) اللي هينتقم بقوِّته من كل متكبر ومفتري ومُدلس مهما كان منصبه.
(الرحيم) اللي هيرحم ضعفك وغُربتك ويسندك ويثبِّتك قدام الدنيا كلها!
🔹 المحطة الرابعة – الكَلِمَة:
السورة بتختم بمشهد عجيب جدًا، مشهد بيعرّي تأثير الكلمة الفاسدة في المجتمع! وزي ما عرفنا إن الشعر عند العرب كان هو المؤثر والمُحرِّك الأساسي، فالشاعر هنا مش مجرد واحد بيرتب الأبيات ويظبط القافية! لاء، دا راجل بيقوِّم قبيلة ويقعَّدها بكلمة واحدة!
فربنا نزّل آيات في ختام السورة دي علشان يوضح الفَرق بين الكلمة اللي بتبني والكلمة اللي بتخرب، وقال: (وَالشُّعَرَاءُ يَتْبَعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) الآيات دي مِش بتتكلم عن الشُّعراء بتوع زمان بس! الآيات دي بتتكلِّم عن كل زمان ومكان وخصوصًا وقتنا الحالي، والآيات دي نازلة لأي إنسان ربنا إدَّاله مساحة تأثير وكلمة مسموعة وكاريزما وأسلوب وطريقة بيوجِّه بيها اللي حواليه، سواء كان مدير، أو كبير عيلة، أو دكتور في جامعة، أو إعلامي، أو كاتب، أو شخصية عامة، أو انفلونسر، أو حتى أبّ في بيته!
وتعالى نشوف الأوصاف اللي ربنا ذكرها عنهم وموجودة في واقعنا:
- (فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ):
دي بتوصف الإنسان “المِتلَوِّن” اللي بيمشي ورا المصلحة أينما اتَّجهت! ملوش مبدأ ثابت، شوية يتكلِّم في الدين والمُثل العُليا علشان اللقطة! وشوية يدوس على رِقاب الناس ويحلل الحرام ويحرَّم الحلال! مُنافِق بامتياز مع مرتبة الشرف.
- (يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ):
ودا التناقض المُرعب وانفصام الشخصية! تلاقي كبير العيلة اللي بيقعد في قعدات الصُلح بيتكلم عن صِلة الرحم والأخلاق والمثاليات والناس تسقفله، وهو في بيته أسوأ إنسان، قاطع رحم، وبياكل حق إخواته، وبيطلع حِج كل سنة! وتلاقي المدير الكاريزما اللي بيدّي كُورسات في الإدارة وحقوق المُوظفين والعدالة، وهو في شركته جزّار وبيرقّي الواد العصفورة المُنافق، مع احترامي لكل العصافير! وتلاقي اللي بيكتب بُوستات عن غض البصر والتديُّن، وفي السر خاربها وبيعمل ما الله به عليم!
- النتيجة: (يَتْبَعُهُمُ الْغَاوُونَ):
الناس دي -بسبب كاريزمتهم وتأثيرهم- بيعملوا وراهم طابور من الغاوون! الغاوون دول هما الضحايا.. الموظف الصغير اللي بيقلد مديره الفاسد علشان ينجح، والشاب اللي بيقلد مشهور في تفاهته، والابن اللي بيطلع معقد وبيقلد قسوة أبوه! كل خطوة وحركة بيعملها الغاوون دول، محسوبة في ميزان سيئات الشاعر اللي أثَّر فيهم لحد يوم القيامة!
» طوق النجاة (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا):
ولأن القرآن دايمًا بيسيب باب الأمل، ربنا استثنى من الفساد دا فئة عظيمة وختم بيهم السورة: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) ودول الناس الشريفة اللي بيسخَّروا منصبهم وتأثيرهم، وقلمهم، وكلمتهم ووقتهم علشان ينفعوا الناس، ويعلموهم دينهم، ويبنوا الوعي، ويصححوا العقول، ويجبروا خواطر المكسور.. الناس دي كلمتهم هي الصدقة الجارية اللي هتنجيهم يوم الحساب بإذن الله!
🔶 أوائل سُورة النَّمْل:
بنختم الجزء الـ ١٩ ببدايات سورة النمل.. السورة دي عبارة عن مدرسة في الإيجابية وكسر شمّاعات السلبية، ربنا في السورة دي مِش بيضربلنا أمثلة بجيوش ولا قادة، ربنا بيعلمنا إزاي نتحمل مسؤولية مُجتمعنا وديننا، وبيضربلنا أمثلة بأضعف الكائنات.. حشرة، وطائر! علشان يكسر جوانا مبدأ: وإنت مالك، دَع الخلق للخالِق!
السورة بتحكيلنا ٣ قصص (سيدنا موسى، والنملة، والهدهد)، بس خلينا نقف قدام محطتين فيهم الخُلاصة:
🔹 المحطة الخامسة – النملة:
بُص على المشهد العجيب دا، جيش سيدنا سليمان الجبَّار ماشي، وفي نملة صغيرة شافت الخطر جاي على قومها، القرآن بيوثق رد فعلها: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) تخيّل! حشرة صغيرة ماجريتش تستخبى لوحدها وتنقذ نفسها وتسيب الباقي يموت! دي وقفت، ونادت بأعلى صوت، وحذِّرت مجتمعها كله، وقالتلهم الحل ادخلوا مساكنكم، والأجمل من كدا إنها اِلتمست العذر لجيش سليمان (وهم لا يشعرون)!
المشهد دا بيفوقنا كلنا من كارثة الأنانية اللي بقينا عايشين فيها! لمّا تشوف صاحبك بيضيع في سكة إدمان أو سكة بنات، وتقول لا يا عم أنا مالي! ولمّا تلاقي بيتك وعيلتك داخلين على فتنة أو قطيعة رحم، وتكبّر دماغك وتسكت! ولمّا تشوفي صاحبتك بتتدمر في علاقة قذرة، وتحكيلك وتضحكي، وتقولي وأنا مالي دي حرّية شخصية!
إوعى تسكت وتبقى سلبي! انصح بحُب، وحذر، وشِد اللي بيقع، وكون سبب في نجاة اللي حواليك زي النملة المِسكينة دي.. السلبية أساس في خراب البيوت والمُجتمعات والأُمَم!
🔹 المحطة السادسة – الهُدهُد:
وهنا بنشوف بطل تاني في السورة، الهُدهُد الطائر الصغيّر، غاب عن جيش سيدنا سليمان، ولما رجع كان جايب معاه قضية أُمَّة بحالها: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ…) وقال في النهاية (وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ).
طائر شال هَمّ التوحيد والدين! فطرته السليمة مِش قابلة إن فيه حد بيسجد لغير ربنا، وبرغم إنه طائر بس ماقالش: أنا مالي، الأنبياء والبشر همّا اللي بيتصرّفوا! لاء، دا طار لمسافات طويلة، وعمل مهمَّة استطلاعية لوحده علشان ينقذ أمة كاملة من الشِّرك، وراح يبلغ سيدنا سليمان بكل شجاعة، فكانت إيجابيته دي سبب في دخول (مملكة سبأ) كلها في الإسلام!
الآية دي بتضرب في دماغ كل إنسان سلبي عايش في المُجتمع بياكل ويشرب وينام، وملوش أي دور في نشر الدين والقِيَم والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر.. الهُدهُد مكانش نبي، ولا معاه دُكتوراه في الشريعة، بس كانت إيجابيته وغيرته على دين ربنا سبب في نجاة أمة كاملة!
إنت إنسان، ربنا كرمك بالعقل، دورك إنك تكون فارِق ومؤثر في المكان اللي إنت فيه، بالكلمة الطيبة، والمَوعظة الحسنة.. الدين دا بتاعنا كلنا، ومسؤوليتنا كلنا، وعلى الأقل خالص وأضعف الإيمان؛ إنك تكون قُدوة حسنة للإنسان المُسلم المُعتدل المُستقيم بأفعالك وأقوالك.
#ختمة_الفهم
منقول 

اترك تعليقاً