قصه وعبره ،،قصة أصحاب الرس وعذابهم

 

كتبت سحر مهني

 

 

قصةُ قومٍ ذُكروا في القرآن الكريم، واختلف المؤرخون في تحديد هويتهم، وعدَّهم الله عز وجل في القرآن الكريم من الأقوام الذين حقَّ عليهم عذابُ الله تعالى وبلاؤه وغضبه، لقتلهم نبيَّهم عليه السلام، فمن هم أصحابُ الرس؟ وما قصتُهم؟

 

إنهم قومٌ كانوا يعبدون شجرةَ صنوبر، قيل: كان “يافث بن نوح عليه السلام” قد غرسها، وكانت لهم اثنتا عشرة قريةً على شاطئ نهرٍ يُقال له “نهر الرس” من بلاد المشرق، ولم يكن يومئذٍ في الأرض كلها نهرٌ أغزرَ منه ولا أعذب، وليس فيها قرًى أكثر ولا أعمر منها.

 

وكانت شجرةُ الصنوبر هذه في أعظم مدينةٍ لهم، وهي التي ينزل فيها ويسكن فيها ملكُهم، وقد غرسوا في كل قريةٍ حبَّةً من الصنوبر، وأجروا إليها نهرًا من العين التي عند الصنوبرة الأساسية، فنبتت الحبَّة وصارت شجرةً عظيمة، وحرَّموا ماءَ العين والأنهار، فمنعوا الناس والأنعام أن يشربوا منها، ومن فعل ذلك قتلوه، ويقولون: هو حياةُ آلهتنا، فلا ينبغي لأحدٍ أن ينقص من حياتها.

 

ويشربون هم وأنعامهم من “نهر الرس” الذي عليه قراهم، وقد جعلوا في كل شهرٍ من السنة في كل قريةٍ عيدًا، يجتمع فيه أهلها، فيضربون على الشجرة، ثم يأتون بشاةٍ وبقرٍ فيذبحونها قربانًا للشجرة، ويُشعلون فيها النيران بالحطب، فإذا صعد دخانُ تلك الذبائح في الهواء، وحال بينهم وبين النظر إلى السماء، خرُّوا سُجَّدًا يبكون ويتضرعون إلى الشجرة أن ترضى عنهم.

 

قيل: كان الشيطان يجيء فيحرِّك أغصانها، ويصيح من ساقها صياحَ الصبي:

 

أن قد رضيتُ عنكم عبادي، فطيبوا نفسًا وقرُّوا عينًا.

 

فيرفعون رؤوسهم عند ذلك، ويشربون الخمر، ويضربون المعازف، فيكونون على ذلك طولَ يومهم وليلتهم، ثم بعدها ينصرفون.

 

أي أنهم إذا كان عيدُ قريتهم العظمى، اجتمع إليها صغيرُهم وكبيرُهم وملكُهم، فجعلوا عند الصنوبرة الرئيسية والعين اثني عشر بابًا، كلُّ بابٍ لأهل قريةٍ يدخلون منه، ويسجدون للصنوبرة، ويقرِّبون لها الذبائح أضعافَ ما قرَّبوا للشجرة التي في قراهم.

 

فيجيء “إبليس” عند ذلك، فيحرِّك الصنوبرة تحريكًا شديدًا، ويتكلم من جوفها كلامًا جهوريًّا، ويعدهم الشيطان ويمنِّيهم بأكثر مما وعدتهم الشياطين كلها، فيحرِّكون رؤوسهم وهم سُجودٌ فرحين.

 

قيل: إنهم يكونون على هذه الحال اثني عشر يومًا بلياليها، بعدد أعيادهم في السنة، ثم بعدها ينصرفون.

 

فلما طال كفرهم بالله عز وجل، وعبادتهم غيره، بعث الله نبيًّا، قيل: إنه من بني إسرائيل، من ولد يهوذا بن يعقوب، فلبث فيهم زمانًا طويلًا يدعوهم إلى الله عز وجل، إلى توحيده وحده، ومعرفة ربوبيته، ولكنهم لم يستجيبوا له ولم يتبعوه.

 

فلما رأى نبيُّهم شدةَ تماديهم في الغيِّ والكِبر والعناد، ورأى عيدَ قريتهم العظمى، قال:

 

يا ربِّ، إن عبادك أبَوا إلا تكذيبي، وغدَوا يعبدون شجرةً لا تنفع ولا تضر، فأيبِس شجرَهم أجمع، وأرِهم قدرتَك وسلطانك.

 

فأصبح القوم، وقد أيبس الله عز وجل شجرَهم كلَّه، فصدمهم ذلك، فصاروا فرقتين: فرقةٌ قالت: سحرَ آلهتكم هذا الرجلُ الذي زعم أنه رسولُ ربِّ السماء والأرض إليكم، ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه.

 

وفرقةٌ قالت: لا، بل غضبت آلهتُكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويدعوكم إلى عبادة غيرها، فحجبت حسنَها وبهاءَها لكي تغضبوا لها.

 

وأجمعوا رأيَهم على قتل نبيِّهم، ثم حفروا بئرًا ضيقةَ المدخل عميقةً، وألقوا فيها نبيَّهم عليه السلام، ووضعوا فوق البئر صخرةً عظيمة، وقالوا:

 

نرجو الآن أن ترضى عنا آلهتُنا، إذا رأت أن قد قتلنا من يصدُّ عن عبادتها، ودفنَّاه، فيعود لنا نورُها ونضرتُها كما كانت.

 

فبقوا عامةَ يومهم يسمعون أنينَ نبيِّهم عليه السلام، وهو يقول:

 

سيدي، قد ضاق مكاني، واشتدَّ كربي، فارحم ضعفَ ركني، وقلةَ حيلتي، وعجِّل بقبض روحي، ولا تؤخِّر إجابةَ دعوتي.

 

ظلَّ يقولها نبيُّهم عليه السلام حتى مات.

 

ومما جاءت به الروايات عن هذه القصة، أن الله عز وجل قال لـ”جبريل عليه السلام”:

 

أيظنُّ عبادي هؤلاء، الذين غرَّهم حِلمي، وأمِنوا مكري، وعبدوا غيري، وقتلوا رسولي، أن يقوموا لغضبي، أو يخرجوا من سلطاني؟ كيف، وأنا المنتقمُ ممن عصاني ولم يخشَ عقابي، وإني حلفتُ بعزتي لأجعلنهم نكالًا وعبرةً للعالمين.

 

قيل: إنهم فوجئوا بعد ذلك، وهم في عيدهم، بريحٍ عاصفٍ شديدةِ الحرَّة، فتحيَّروا في أمر الريح، وذُعروا منها، وتضامَّ بعضُهم إلى بعض، ثم صارت الأرض من تحتهم حجارةَ كبريتٍ تتوقد، وأظلَّتهم سحابةٌ سوداء، فألقت عليهم جمرًا يلتهب، فذابت أبدانُهم كما يذوب الرصاصُ بالنار.

 

ويا قارئ هذه القصة، إن ما قرأتَه ليس حكايةً للتسلية، بل عبرةٌ خالدةٌ سطَّرها الله في كتابه لتبقى شاهدًا على عاقبة الشرك، وسوء المصير لمن أعرض عن الحق وقتل رسل الله وكذَّب آياته. إن قصص الأمم السابقة ليست للتاريخ فحسب، بل لتوقظ القلوب، وتحيي الضمائر، وتردع النفوس عن الغيِّ والطغيان.

 

 

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *