قصه وعبره ٠٠ حين أنقذت طفلةٌ أباها من نيران المعاصي”

بقلم: سحر مهني

 

القصة: من غياهب السكر إلى أنوار السحر

يُحكى أن مالك بن دينار بدأ حياته غارقاً في شهواته، مسرفاً على نفسه في شرب الخمر، قلبه غليظ لا يعرف للتقوى طريقاً. تزوج ورُزق بطفلة سماها “فاطمة”، فكانت هي النور الوحيد في حياته المظلمة. كبرت فاطمة، وكلما حاولت يد مالك أن تمتد لكأس الخمر، كانت يدها الصغيرة تسبقه لتسكب الكأس، فكان يترك الشرب حباً في براءتها.

لكن القدر كان يخبئ له امتحاناً عسيراً؛ فماتت فاطمة وهي ابنة سنتين. انكسر قلب مالك، وبدلاً من أن يعود لله، غرق في سكره حزناً على فقيدته، حتى كانت الليلة التي رأى فيها رؤيا هزت كيانه:

رأى القيامة قد قامت، والناس حيارى، وإذا بـ تنين عظيم أسود يطارده بفم مفتوح لابتلاعه. جرى مالك مرعوباً، فصادف شيخاً ضعيفاً جداً طلب منه النجدة، فقال الشيخ: “أنا ضعيف، اذهب لعل ذلك الجبل يحميك”. فرّ مالك للجبل، وسمع أطفالاً يصيحون: “يا فاطمة، أدركي أباكِ!”.

ظهرت فاطمة، وبمجرد أن رآها التنين ولى هارباً. جلست في حجر أبيها وقالت له بعتابٍ ملائكي:

“أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ”

سألها مالك عن التنين والشيخ، فأخبرته: “التنين هو عملك السيئ الذي قواه بذنوبك، والشيخ هو عملك الصالح الذي أضعفته حتى عجز عن نصرتك”.

استيقظ مالك والدموع تبلل لحيته، وهو يصرخ: “بلى يا رب، قد آن.. بلى يا رب، قد آن”. فكانت تلك الليلة هي ميلاد أحد أعظم زهاد الإسلام.

العبرة من القصة

رحمة الله الواسعة: لا يوجد ذنب أعظم من مغفرة الله؛ فالتوبة الصادقة تهدم ما قبلها مهما كان الماضي مظلماً.

أثر العمل الصالح: ذنوبنا تقوي شياطيننا علينا، وطاعاتنا هي حصننا الحصين؛ فكلما زادت الطاعة، زادت قوتنا في مواجهة فتن الدنيا وأهوال الآخرة.

الابتلاء وسيلة للعودة: أحياناً يكون فقدان الأحبة (مثل وفاة ابنة مالك) هو “الرسالة القاسية” التي يرسلها الله للعبد ليوقظه من غفلته ويعيده إلى طريقه.

الصدق مع النفس: لحظة صدق واحدة مع الله كفيلة بتغيير مسار حياة كاملة من الشقاء إلى السعادة الأبدية.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *