عثمان بن عفان رضي الله عنه وتجهيز جيش العسرة نموذج العطاء اللامحدود في الشدائد والأزمات

كتبت سحر مهني

 

تظل قصة الصحابي الجليل عثمان بن عفان ذو النورين في تجهيز “جيش العسرة” علامة فارقة في تاريخ التضحية والبذل من أجل العقيدة والوطن ففي العام التاسع للهجرة حينما نادى الرسول صلى الله عليه وسلم بالنفير العام لمواجهة الروم في تبوك كانت الظروف المحيطة بالمسلمين في غاية القسوة حيث اجتمع عليهم حر الصيف الشديد وبعد المسافة وقلة الظهر والزاد وضيق ذات اليد مما جعل المهمة تبدو شبه مستحيلة في أعين الكثيرين ولذلك سمي هذا الجيش بجيش العسرة

وفي تلك اللحظة الحرجة التي كان فيها المسلمون في أمس الحاجة للدعم أثبت عثمان بن عفان أن الإيمان الصادق يتجلى في أوقات المحن حيث بادر بتقديم عطاء لم تشهد له المدينة مثيلاً فجهز ثلث الجيش وحده وقدم مئات الإبل بآلتها وأحمالها وزاد عليها بالخيل والذهب حتى صب في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ألف دينار فجعل الرسول يقلبها بيده وهو يقول “ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم” في شهادة نبوية عظيمة خلدت اسمه في سجل الخالدين وجعلت من ماله حصناً منيعاً للدولة الإسلامية الناشئة في وجه أكبر القوى العالمية آنذاك

ولم يتوقف عطاء عثمان عند توفير العتاد الحربي فحسب بل امتد ليشمل أدق تفاصيل احتياجات المقاتلين من طعام وشراب وكساء مما رفع الروح المعنوية للمجاهدين وبدد مخاوفهم من وعورة الطريق وطول المسافة وهو ما يجسد مفهوم المسؤولية المجتمعية والقيادة بالقدوة حيث لم يكتفِ عثمان بالدعوة للبذل بل كان أول الملبين وأكثرهم سخاءً ليؤكد أن المال في يد المؤمن هو وسيلة للبناء والنصر وليس غاية للاكتناز والرفاهية الشخصية

أما العبرة المستفادة من هذه القصة الخالدة فهي أن الأزمات الكبرى لا تجتازها الأمم إلا بالتكاتف والتضحية وأن الفرد الصالح هو الذي يضع مقدراته وإمكانياته في خدمة المصلحة العامة وقت الخطر فالإيثار الذي أبداه عثمان بن عفان يعلمنا أن “الغنى الحقيقي” هو ما ينفقه الإنسان لرفعة مجتمعه وتفريج كربات أهله كما تبرز القصة أهمية الثقة بالقيادة والالتفاف حولها في أوقات النفير والشدة فالعطاء في وقت الرخاء ميسور لكن العطاء في وقت “العسرة” هو المحك الحقيقي لمعادن الرجال وصدق الانتماء

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *