بقلم: سحر مهني
هذه القصة هي واحدة من أروع الشواهد التاريخية على أن العدل في الإسلام لا يعرف في القوم وسيطاً ولا يفرق بين ابن والٍ ورجل بسيط، وهي تجسد المقولة الخالدة التي أصبحت دستوراً للحرية الإنسانية.
القصة: سباق الخيل وصدمة “ابن الأكرمين”
في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، كان عمرو بن العاص والياً على مصر. وفي إحدى المسابقات لسباق الخيل، تسابق ابن لعمرو بن العاص مع رجل من عامة أهل مصر (قيل إنه من القبط).
استطاع المصري بفرسه أن يسبق ابن الوالي، فما كان من ابن عمرو بن العاص إلا أن استشاط غضباً، ورفع سوطه وضرب المصري وهو يقول: “خذها وأنا ابن الأكرمين!”، معتمداً على سلطة والده ومكانته.
لم يسكت المصري على هذا الظلم، ولم يمنعه خوفه من سطوة الوالي من طلب حقه. شد الرحال من مصر إلى المدينة المنورة، وقطع الفيافي حتى وصل إلى عمر بن الخطاب، وقص عليه ما حدث.
المحاكمة: “متى استعبدتم الناس؟”
كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص أن يقدم إليه هو وابنه. فلما حضرا، أمر عمر بالرجل المصري أن يتقدم، وأعطاه السوط وقال له: “اضرب ابن الأكرمين”.
فضرب المصري ابن عمرو بن العاص حتى استوفى حقه، وعمر يقول له: “اضرب ابن الأكرمين!”. ثم التفت عمر إلى عمرو بن العاص (الوالي) وقال كلمته التي زلزلت التاريخ:
“يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟”
العبرة والدروس المستفادة
المساواة المطلقة: لا حصانة لمسؤول أو لابن مسؤول أمام الحق. العدل يطبق على الجميع مهما علت مراتبهم.
شجاعة المظلوم: رفض المصري للظلم وسفره الطويل يرسخ فكرة أن الحق لا يضيع ما دام وراءه مُطالب، وأن هيبة السلطان لا يجب أن تمنع الإنسان من كرامته.
الرقابة والعدل الإداري: كان عمر بن الخطاب قدوة في مراقبة الولاة ومحاسبتهم، فلم يقبل أن يظلم أحد في رعيته حتى في أقصى الأرض.
أصل الحرية: العبارة التي قالها عمر تؤصل لمفهوم “حقوق الإنسان” قبل المواثيق الدولية بقرون؛ فالحرية حق فطري يولد مع الإنسان ولا يمنحه الحاكم كمنحة.

اترك تعليقاً