قصة وعبرة: حين تنتصر الأمانة على إغراء الطمع وتحيي ضمير الأمة

 

بقلم: سحر مهني

 

 

 

لا تزال تطل علينا قصص هي بمثابة منارات أخلاقية، تذكرنا بأن الضمير الحي لا يحتاج إلى رقيب من البشر بقدر ما يحتاج إلى استشعار رقابة خالق البشر. ومن بين تلك القصص الخالدة التي سطرها التراث بمداد من نور، قصة “ابنة بائعة اللبن” مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ وهي القصة التي لم تكن مجرد موقف عابر، بل كانت حجر زاوية في بناء بيت حكم وقيم امتد أثره لقرون.

و في ليلة هادئة من ليالي المدينة المنورة، حيث كان الفاروق عمر بن الخطاب، الحاكم الذي لا ينام قبل أن يطمئن على رعيته، يطوف بالأزقة فيما عُرف بـ “العس” (الدوريات الليلية). وبينما هو يسير، استند إلى جدار أحد البيوت ليستريح قليلاً، فإذا به يسمع حواراً يدور خلف الجدران بين أم وابنتها.

صراع بين القناعة والاحتياج

كانت الأم، التي تبيع اللبن لتقتات هي وابنتها، تحث ابنتها على خلط اللبن بالماء ليزداد حجمه ويربحا أكثر، قائلة: “يا ابنتي، قومي فامذقي اللبن بالماء”. فما كان من الفتاة الشابة، التي تشربت قيم الإيمان والأمانة، إلا أن رفضت قائلة: “يا أماه، أما سمعتِ منادي أمير المؤمنين ينهى عن خلط اللبن بالماء؟”.

أجابت الأم بمنطق الضعف البشري أمام الطمع: “يا ابنتي، إن الناس يخلطون، وإن عمر لا يراكِ الآن”. وهنا جاء الرد الذي زلزل كيان الفاروق خلف الجدار، ورددته الأجيال من بعدها، حين قالت الفتاة بكل ثبات: “يا أماه، إن كان عمر لا يرانا، فإن رب عمر يرانا”.

العبرة المستفادة: الرقابة الذاتية

هذه الكلمات البسيطة في مبناها، العظيمة في معناها، تلخص جوهر الأخلاق. فالعبرة هنا ليست في “اللبن” أو “البيع”، بل في “الرقابة الذاتية”. الفتاة لم تكن تخشى سوط السلطان أو عقوبة القانون، بل كانت تخشى الوقوع في “الغش” الذي يأباه ضميرها وتمنعه قيمها، مستحضرة عظمة الخالق في أدق تفاصيل حياتها اليومية.

ثمرة الأمانة: من بيت متواضع إلى عرش العدل

لم تمر هذه الواقعة مرور الكرام عند عمر بن الخطاب. عاد إلى بيته، وفي الصباح سأل عن البيت وأهله، وعلم فضل الفتاة وأمانتها، فقرر أن يزوجها لابنه “عاصم”. ومن نسل هذه الفتاة الأمينة، خرج حفيده الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، الذي ملأ الأرض عدلاً كما ملأتها جدته أمانة.

رسالة إلى جيل اليوم

في عصرنا الحالي، حيث تشتد المغريات وتتعدد أساليب الغش والالتواء، تبرز قصة ابنة بائعة اللبن لتذكرنا بأن “الأمانة” هي العملة التي لا تخسر أبداً. إن بناء المجتمعات لا يبدأ من القوانين والتشريعات فحسب، بل يبدأ من تلك “اللقمة الحلال” ومن ذلك الضمير الذي يستحي من الله قبل أن يخاف من الناس.

“الأمانة لا تُجزأ، والصدق في الشدة هو الاختبار الحقيقي للمعادن”

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *