بقلم: سحر مهني
في تاريخ الأمم وقصص الفتوحات، تمر أحداث قد تبدو في ظاهرها انتصارات عسكرية، لكنها في جوهرها تجسيد لقيم عليا لا تبلى. ولعل قصة “سوارا كسرى” وارتدائهما من قبل الصحابي سراقة بن مالك، ليست مجرد مشهد من مشاهد الغنائم، بل هي ملحمة تروي قصة صدق النبوة ووفاء الخلافة، في لحظة تجلت فيها عظمة الإسلام في أبهى صورها.
الوعد الصادق في لحظة المحنة
تبدأ الحكاية من غار ثور، حين كان النبي ﷺ وصاحبه أبو بكر يهاجران إلى المدينة، والسيوف تلاحقهما، وقريش ترصد مائة ناقة لمن يأتي بهما. هناك، كان سراقة بن مالك يطارد “الهدف” طمعاً في الجائزة، لكن خيل سراقة ساخت في الرمال مرة بعد أخرى، حتى أدرك أن صاحبهما “ممنوع” بعناية السماء.
في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان النبي ﷺ مطارداً، التفت إلى سراقة وقال له قولاً عجيباً: “كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟”. كان وعداً يبدو في ذلك الزمان ضرباً من الخيال؛ فكيف لمطارد لا يجد مأوى أن يعد بسوار ملك أعظم إمبراطورية على وجه الأرض؟ لكن سراقة آمن بالوعد، واحتفظ بكتاب الأمان الذي كتبه له عامر بن فهيرة.
فتح المدائن.. الكنوز بين يدي الفاروق
مرت السنون، وجاء عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وفُتحت المدائن، وجيء بكنوز كسرى أنوشروان إلى المدينة المنورة. وضعت الكنوز في المسجد، وكان من بينها التاج المرصع بالياقوت، والمنطقة الذهبية، والسواران اللذان لم ترَ العين مثلهما جمالاً وقيمة.
وقف الفاروق عمر ينظر إلى تلك الكنوز والدموع في عينيه، لا فرحاً بالمال، بل خشية من الفتنة. وحينما رأى دقة الصنعة وأمانة الجند الذين حملوا الكنوز من العراق إلى المدينة دون أن ينقص منها حبة خردل، قال كلمته الشهيرة: “إن قوماً أدوا هذا لأمناء”.
مشهد الوفاء.. سراقة يلبس الذهب
لم ينسَ عمر بن الخطاب وعد رسول الله ﷺ. استدعى سراقة بن مالك، وكان قد أصبح شيخاً كبيراً، وأمره أن يلبس قميص كسرى وسواريه وتاجه. تردد سراقة مهابةً، لكن عمر أصرَّ تنفيذاً للوعد بدقة.
وقف سراقة أمام الصحابة وهو يرتدي حلي ملك الفرس، فنظر إليه عمر وقال بصوت يملؤه الإيمان: “الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك أعرابياً من بني مدلج”. لقد أراد عمر أن يرى المسلمون عياناً صدق وعد الله ورسوله، وأن الوفاء بالعهد ليس اختياراً بل هو دين يُدان به.
الموعظة: دروس من وراء التاريخ
إن قصة سواري كسرى تمنحنا اليوم ثلاثة دروس ذهبية لا تغيب شمسها:
صدق اليقين: أن وعد الله نافذ مهما بلغت الظروف سواداً، فمن كان يصدق في الغار أن سراقة سيلبس تاج كسرى؟
أمانة الحاكم: تجلت في حرص عمر بن الخطاب على إيفاء وعد لم يكن هو من قطعه، بل نبيه ﷺ، ليعلمنا أن الدولة تقوم على الوفاء والمصداقية.
زوال الدنيا: أن أعظم تيجان الأرض وسواريه انتهت لتكون عبرة في يد رجل بسيط، مما يؤكد أن البقاء للقيم والمبادئ وليس للمادة.
خاتمة المقال:
ستظل قصة سراقة وسواري كسرى منارة تضيء لنا معاني الأمانة، وتذكرنا بأن “الوفاء بالعهد” هو الخيط الرفيع الذي يربط بين إيمان القلب وعمل الجوارح. فهل نحن اليوم على قدر الوفاء بعهودنا؟

اترك تعليقاً