أن تُصدر الدولة قانونًا لتنظيم العدالة، ثم تكتشف بعد إصداره أنها غير مستعدة لتطبيقه، فتؤجل العمل به عامًا جديدًا، فهذه ليست أزمة قانون بقدر ما هي أزمة تخطيط وإدارة ، نحن نتحدث عن قانون الإجراءات الجنائية، وليس تشريعا يمكن أن يظل حبيس الأدراج حتى تكتمل الاستعدادات ، هذا قانون يتصل مباشرة بحريات المواطنين وحقوقهم، من لحظة القبض والتحقيق وحتى المحاكمة وتنفيذ الأحكام. ولذلك فإن قيمة أي قانون لا تُقاس بالتصفيق عند إقراره، ولا بعدد مواده، وإنما بقدرته على حماية حقوق الناس عندما يصبح التطبيق أمرًا واقعًا. والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن بوضوح: كيف صدر قانون بهذه الأهمية، وكان موعد تطبيقه معلومًا، ثم اكتشفنا أننا نحتاج عامًا آخر للاستعداد؟
التأجيل قد يكون مفهومًا إذا كان وراءه برنامج واضح ومحدد لاستكمال البنية التكنولوجية، وربط المحاكم والنيابات بالمنظومات الإلكترونية، وتدريب القضاة وأعضاء النيابة والمحامين والعاملين، وتأمين البيانات وتجهيز المحاكم. أما أن يتحول التأجيل إلى وسيلة لمعالجة ما كان يجب أن يُخطط له منذ اليوم الأول، فهنا تصبح المسألة جديرة بالمراجعة والمساءلة. العدالة ليست مباني فاخرة ولا قاعات مجهزة ولا أنظمة إلكترونية على الورق؛ العدالة هي مواطن يصل إلى حقه في الوقت المناسب، ومتهم تُصان ضماناته، ومجني عليه يجد إنصافًا، ومحكمة تملك الأدوات التي تمكنها من الفصل بكفاءة. أخطر ما يمكن أن يحدث أن نصنع قانونًا حديثًا ثم نكتشف أن المنظومة التي ستطبقه ما زالت تعمل بعقلية قديمة
والأخطر أن يتحول هذا الأسلوب إلى قاعدة تتكرر مع كل تشريع جديد: نصدر القانون أولًا، ثم نبدأ بعد ذلك في البحث عن أدوات تنفيذه. قانون الإجراءات الجنائية يجب أن يكون جرس إنذار، لا مجرد واقعة تأجيل عابرة. فإذا كانت الدولة قد عرفت موعد التطبيق مسبقًا، فعليها أن تقدم للمواطن كشفًا واضحًا: ما الذي لم يكتمل؟ وما الجدول الزمني للانتهاء منه؟ ومن المسؤول عن التنفيذ؟ وما الذي سيُنجز خلال العام المؤجل؟ فالقوانين لا تُصنع لتُعلق على الجدران، وإنما لتعمل في الشارع والمحكمة ومؤسسات الدولة. وما جرى يفرض سؤالًا أكبر: هل سنتعامل بالعقلية نفسها مع قوانين أخرى تمس حياة المصريين …

اترك تعليقاً