كتبت سحر مهني
في عالم الفن والإعلام الحديث، حيث أصبحت الاستقلالية الفكرية والجرأة الأخلاقية عملة نادرة، وجد العديد من الفنانين والمبدعين أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الصمت المطبق وماراثون الحياد، أو دفع ضريبة باهظة تُسدد من رصيدهم المهني ومصادر رزقهم لمجرد التعبير عن التضامن مع الحقوق الفلسطينية وإدانة الحرب.
لم تعد العقوبات تقتصر على الانتقادات الإعلامية أو الهجوم عبر منصات التواصل، بل امتدت لتسجل حقبة جديدة من “القوائم السوداء” الهادئة، التي تتنوع أدواتها بين فسخ التعاقدات التجارية، وإلغاء الجولات الفنية، والاستبعاد من مشاريع الدراما والسينما، وإغلاق الأبواب بقرارات تتخفى غالباً خلف مبررات لوجستية أو تسويقية.
من المنصات العالمية إلى الأروقة العربية: اتساع دائرة الحظر
لا يرتبط هذا التضييق برقعة جغرافية واحدة، بل يمتد ليشمل البيئات الفنية في الغرب والشرق على حد سواء، وإن اختلفت السياقات والأدوات:
العالمية.. عندما يتحول التضامن إلى خط أحمر:
شهدت الساحة الفنية الغربية حادثة بارزة عندما أُسقط اسم الرابر الأمريكي ماكلمور (Macklemore) من الجولة الغنائية للمطرب البريطاني إد شيران (Ed Sheeran). لم تكن تلك الخطوة مجرد تغيير في جدول الحفلات، بل جاءت عقب تصريحات الرابر الداعمة لفلسطين وإطلاقه أغنيات تناهض الحرب، مما دفع متعهدي الحفلات والشركات الراعية لممارسة ضغوط تمخضت عن استبعاده. ولم تكن هذه الحالة معزولة؛ إذ واجهت الممثلة المكسيكية ميليسا باريرا (Melissa Barrera) الطرد من سلسلة أفلام الرعب الشهيرة Scream لنفس الأسباب، واستُغني عن خدمات الممثلة الحائزة على الأوسكار سوزان ساراندون (Susan Sarandon) من قبل وكالة أعمالها الرئيسية بعد مشاركتها في مسيرات داعمة لغزة.
المنطقة العربية.. الموقف الأخلاقي في مواجهة شبح التأطير:
على الجانب العربي، أخذ الصراع بعداً آخر يتعلق بسياسات الإنتاج وإدارة المواسم الترفيهية. تجسد ذلك بوضوح في موقف الفنان المصري محمد سلام، الذي أعلن اعتذاره عن عدم المشاركة في مسرحية كوميدية ضمن “موسم الرياض” في ظل القصف المستمر على قطاع غزة، مضحياً بمقابل مادي كبير وفرصة فنية واسعة النطاق. ورغم الدعم الجماهيري الكبير الذي حظي به سلام، إلا أن قرار الانسحاب وضع مسيرته في مواجهة ضغوط عملية واستبعاد غير معلن من بعض المشروعات الإنتاجية المشتركة.
أدوات العقاب الحديث: كيف تُدار “القائمة السوداء”؟
لم تعد القوائم السوداء تُكتب في وثائق رسمية كما كان يحدث في حقبة “المكارثية” في هوليوود خلال أربعينيات القرن الماضي، بل أصبحت تُدار عبر آليات ناعمة وأكثر فاعلية:
إلغاء عقود الرعاية والشراكات (Brand Deals): تُعد العلامات التجارية العالمية أول من يتحرك لفسخ التعاقدات، خوفاً من ضغوط المجموعات اللوبيّة أو تراجع المبيعات في أسواق معينة.
ضغط وكالات الأعمال (Talent Agencies): تلجأ وكالات إدارة أعمال الفنانين إلى فسخ العقود أو تقليل الفرص المعروضة على الفنان لتفادي الدخول في أزمات مع كبار المنتجين.
التهميش الإنتاجي والإقصاء الرمزي: عدم إعادة ترشيح الفنان لأدوار جديدة، أو إيقاف مشاريعه القائمة تحت ذريعة “عدم الجاهزية” أو “إعادة ترتيب الأولويات”.
التضييق الرقمي والرقابة الذاتية: تقييد وصول حسابات الفنانين عبر منصات التواصل الاجتماعي (Shadowban) لتشديد الحصار الإعلامي حولهم.
ازدواجية المعايير.. الصمت المسموح والحرية المشروطة
تثير هذه الإجراءات إشكالية عميقة تتعلق بالحرية والتعبير في الفن؛ فالكثير من المؤسسات العالمية والمستثمرين الذين رفعوا شعارات “حرية التعبير” ودعم قضايا الإنسانية والتضامن في نزاعات دولية أخرى (مثل الحرب في أوكرانيا)، هم أنفسهم من يفرضون خطوطاً حمراء صارمة عندما يتعلق الأمر بالحقوق الفلسطينية.
هذا التناقض كشف عن هيمنة رأس المال والمصالح السياسية على صناعة الترفيه، وجعل من “الحياد” شرطاً ضمنياً للاستمرار والنجاح المهني.
ما بعد الحظر: الفن كرسالة لا تقبل المساومة
رغم حجم الضغوط والتضحيات المادية والمعنوية، أثبتت هذه الأزمات أن الصوت الفني المستقل يمتلك قدرة على التأثير تجاوزت حدود المسارح وشاشات السينما. إن التفاف الجمهور حول أسماء مثل محمد سلام وماكلمور وسوزان ساراندون يعكس نشوء “سوق بديلة” تُقيم الفنان ليس بناءً على شباك التذاكر فحسب، بل على مدى اتساقه مع مبادئه الأخلاقية والإنسانية.
يبقى السؤال القائم في أروقة الفن وصناعته: إلى أي مدى يمكن لسياسة “القوائم السوداء” أن تصمد أمام وعي الجماهير المتزايد، وقدرة وسائل الإعلام البديلة على كسر الحصار وضمان وصول الصوت الحر؟

اترك تعليقاً