قبل أن تطالب بإقالة وزير الصحة.. اجلس يومًا واحدًا على كرسي مدير فرع للتأمين الصحي

 

تحقيق / اسامة عبدالخالق

: هل تُقاس منظومة الصحة المصرية بحالة فردية أم بحجم ما تحقق على أرض الواقع؟

في وقت أصبحت فيه المطالبة بإقالة المسؤول أسهل كثيرًا من البحث عن حلول حقيقية للمشكلات، خرج أحد أعضاء مجلس النواب مطالبًا بإقالة الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان.

وهنا لا بد من طرح سؤال بسيط لكنه جوهري:

هل من يطالب بإقالة وزير الصحة يدرك حجم وتعقيدات المنظومة التي يديرها؟

وهل يستطيع صاحب هذا المطلب أن يجلس يومًا واحدًا على كرسي مدير فرع من فروع التأمين الصحي، ويتعامل بنفسه مع نقص القوى البشرية، وضغوط المرضى، وأعطال الأجهزة، وتوفير الأدوية والمستلزمات، وقوائم الانتظار، وشكاوى المواطنين، والميزانيات، والصيانة، والتشغيل، والقرارات الإدارية، ثم يخرج في نهاية اليوم وقد حل نصف هذه المشكلات؟

إذا استطاع ذلك، فنحن أمام مسؤول يستحق أن نصفه بالبطل.

أما أن يتحول المشهد إلى اتهامات ومطالبات بالاستقالة والإقالة دون تقديم حلول عملية، فهذه ليست رقابة برلمانية بالمعنى الذي يحتاجه المواطن.

لا أحد يقول إن منظومة الصحة بلا مشكلات

لنكن واضحين:

وزارة الصحة ليست جنة، والمنظومة الصحية المصرية لا تخلو من أوجه قصور ومشكلات.

هناك مستشفيات تحتاج إلى تطوير، وهناك عجز في بعض التخصصات، وهناك منشآت تحتاج إلى صيانة، وهناك شكاوى يومية من المواطنين، وهناك ملفات تحتاج إلى تدخل أسرع.

لكن السؤال الحقيقي ليس: هل توجد مشكلات؟

السؤال هو:

ماذا تفعل الوزارة لحلها؟ وهل هناك تطوير حقيقي أم لا؟

وهنا تكشف الأرقام الرسمية صورة مختلفة تمامًا عن الصورة التي قد يرسمها البعض من خلال انتقاد واحد أو واقعة فردية.

بالأرقام.. ماذا حدث في عهد خالد عبدالغفار؟

خلال يناير 2026 وحده، أعلنت وزارة الصحة تشغيل عشرات الخدمات والوحدات الطبية الجديدة، إلى جانب تطوير خدمات متخصصة في عدد من المحافظات، وتنفيذ برامج تدريبية لأكثر من 2590 متدربًا في مجالات مكافحة العدوى والإنعاش القلبي وإدارة الحالات الحرجة. كما شهدت الفترة افتتاح وتشغيل أكثر من 40 وحدة وقسمًا طبيًا جديدًا في 15 محافظة وفق بيانات الوزارة.

وهذا يعني أن الحديث عن وزير «لا يفعل شيئًا» لا يتفق مع حجم العمل المعلن رسميًا.

والأهم أن العمل لم يتوقف عند إنشاء مبانٍ أو شراء أجهزة، وإنما امتد إلى التدريب والميكنة والتحول الرقمي وتطوير الخدمات الطبية المتخصصة.

التأمين الصحي الشامل.. مشروع دولة وليس قرار وزير

من أخطر الأخطاء أن يتم تحميل وزير الصحة وحده مسؤولية كل تفصيلة في منظومة التأمين الصحي الشامل.

التأمين الصحي الشامل مشروع دولة متكامل، له كيانات وهيئات وأدوار مختلفة، ويحتاج إلى بنية تحتية وتمويل وتشغيل واعتماد وتدريب وتحول رقمي وتوفير للأدوية والمستلزمات.

والبيانات الرسمية تشير إلى توسع كبير في المنظومة؛ إذ وصلت شبكة التغطية الصحية الشاملة إلى 415 منشأة تخدم نحو 4.8 مليون مستفيد في 6 محافظات وفق بيانات رسمية منشورة.

كما أن المرحلة الثانية من منظومة التأمين الصحي الشامل تشمل محافظات دمياط وكفر الشيخ ومطروح وشمال سيناء والمنيا، مع أعمال تطوير وإنشاء واسعة تمهيدًا للتطبيق.

فهل يمكن اختزال كل هذا المشروع القومي في مطالبة بإقالة الوزير؟

الوزير الذي ينزل إلى أرض الواقع

المسؤول الناجح لا يقاس بعدد البيانات التي يصدرها، وإنما بقدرته على متابعة التفاصيل واكتشاف الخلل ومحاسبة المقصر.

والسجل الرسمي لوزارة الصحة يتضمن نماذج واضحة لتدخل الوزير في مشكلات المستشفيات، بل واتخاذ إجراءات ضد مسؤولين عندما تظهر مخالفات أو أوجه قصور، شملت إعفاءات وإحالات للتحقيق وإعادة توزيع للعاملين.

وهنا يجب أن نطرح سؤالًا آخر:

إذا كانت الوزارة تكتشف الأخطاء وتحاسب المقصرين، فلماذا لا يتم دعمها في إصلاح الخلل بدلًا من تحويل كل مشكلة إلى دعوة لإقالة الوزير؟

خالد عبدالغفار أمام اختبار صعب

منذ توليه مسؤولية وزارة الصحة، وجد الدكتور خالد عبدالغفار نفسه أمام واحدة من أكثر الوزارات تعقيدًا في الدولة.

وزارة تضم مستشفيات ووحدات صحية وهيئات وقطاعات وقوى بشرية ضخمة، وتتعامل يوميًا مع ملايين المواطنين، فضلًا عن ملفات الأدوية والمستلزمات والطوارئ والرعاية الصحية والوقاية والتأمين الصحي والمبادرات الرئاسية.

وفي يناير 2026، واصل الوزير متابعة مشروعات «مدينة العاصمة الطبية» التي تستهدف دعم الرعاية الصحية والتدريب والسياحة العلاجية، بما يعكس اتساع نطاق الملفات التي تتولاها الوزارة.

نعم للرقابة.. ولكن لا لتحويل البرلمان إلى منصة اتهام

عضو مجلس النواب من حقه أن يسأل ويستجوب ويراقب ويكشف أوجه القصور.

بل إن الرقابة البرلمانية القوية ضرورة.

لكن الرقابة لا تعني أن تكون النتيجة المسبقة هي «أقيلوا الوزير».

الرقابة الحقيقية تقول:

هذه المشكلة.. وهذه البيانات.. وهذه المسؤولية.. وهذا الحل المقترح.. وهذا الجدول الزمني للتنفيذ.

أما أن نطالب الوزير بالرحيل لأن مستشفى بها مشكلة، أو لأن مواطنًا واجه أزمة، أو لأن هناك نقصًا في أحد التخصصات، فهذا يعني أننا نعاقب رأس المنظومة على كل خطأ يحدث داخل منظومة تضم آلاف المنشآت والعاملين.

قبل أن تطالب بإقالة الوزير.. جرّب أن تكون مديرًا

وهنا الرسالة الأهم:

إلى كل من يطالب بإقالة وزير الصحة:

تعالَ اجلس مكان مدير فرع من فروع التأمين الصحي.

استقبل المرضى من الصباح.

تعامل مع الطبيب الذي يطلب إجازة، والمريض الذي ينتظر دوره، والأسرة التي تبحث عن سرير، والصيدلية التي تحتاج إلى صنف، والجهاز الذي تعطل، والمستشفى الذي يحتاج إلى صيانة، والموظف الذي يحتاج إلى قرار، والميزانية التي تحتاج إلى تدبير.

حاول أن تحل نصف هذه المشكلات.

ثم اخرج إلى الناس في نهاية اليوم.

إذا نجحت.. فلن نطالبك فقط بأن تكون وزيرًا للصحة، بل سنطالب بأن تكون وزيرًا للصحة ونحن أول من يدعمك.

خالد عبدالغفار.. لا يحتاج إلى شهادة من أحد

قد يختلف البعض مع الدكتور خالد عبدالغفار في بعض القرارات، وقد تكون هناك ملفات تحتاج إلى مزيد من العمل، وهذا طبيعي في أي منظومة بهذا الحجم.

لكن الإنصاف يقتضي ألا ندفن ما تحقق تحت ركام الانتقادات.

فالوزارة أعلنت خلال السنوات الأخيرة عن توسع في المنشآت والخدمات الطبية، وتطوير منظومة التأمين الصحي، وزيادة الاعتماد على الميكنة والتحول الرقمي، وتوسيع نطاق الخدمات المتخصصة، وتدريب الكوادر، فضلًا عن المبادرات الصحية واسعة النطاق.

ومن بين المؤشرات اللافتة أن حملة «100 يوم صحة» في 2024 قدمت أكثر من 74.4 مليون خدمة طبية مجانية خلال 47 يومًا وفق بيان رسمي للوزارة.

هذه ليست أرقامًا يمكن تجاهلها.

لا تهدم الوزير.. ساعده على إصلاح المنظومة

المواطن المصري لا يريد وزيرًا يرحل كلما ظهرت مشكلة.

المواطن يريد وزيرًا يحارب المشكلة.

يريد طبيبًا موجودًا.

ويريد دواءً متوفرًا.

ويريد مستشفى محترمًا.

ويريد تأمينًا صحيًا حقيقيًا.

ويريد أن يجد من يسمعه عندما يشتكي.

ومن هنا، فإن الطريق الصحيح ليس هدم كل ما تحقق، وإنما دعم الإصلاح ومحاسبة المقصر أيًا كان موقعه.

إذا كان هناك خطأ فليُحاسب المخطئ.

وإذا كان هناك تقصير فليُكشف المقصر.

وإذا كان هناك خلل فليُصلح.

أما إقالة الوزير لمجرد وجود مشكلات داخل وزارة بحجم وزارة الصحة، فليست حلًا.

كلمة أخيرة

الدكتور خالد عبدالغفار ليس فوق النقد، ولا يجب أن يكون.

لكنه أيضًا ليس وحده مسؤولًا عن كل مشكلة في القطاع الصحي المصري.

والإنصاف يقتضي أن نقارن بين ما تسلمته المنظومة وما وصلت إليه، وأن نضع المشروعات والأرقام والخدمات التي تم تطويرها أمام المواطنين، بدلًا من الاكتفاء بالعناوين المثيرة.

فالوزير الذي يواجه ملفات الأطباء والدواء والمستشفيات والتأمين الصحي والتطوير والرقمنة والمبادرات الصحية في وقت واحد، يحتاج إلى رقابة تساعده على النجاح، لا إلى أحكام مسبقة لا تقدم للمواطن دواءً ولا سريرًا ولا طبيبًا.

ولذلك نقولها بوضوح:

قبل أن تطالب بإقالة وزير الصحة.. تعالَ وحاول أن تدير فرعًا واحدًا من فروع التأمين الصحي.

فإذا استطعت حل نصف مشكلاته، سنكون أول من يرفع لك القبعة.

أما الدكتور خالد عبدالغفار، فالحكم الحقيقي عليه يجب أن يكون بما تحقق على الأرض، وبالأرقام، وبما سيقدمه للمواطن المصري، لا بمجرد عناوين المطالبة بالرحيل.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *