زيارة الرئيس الصيني فرصة لتوطين التكنولوجيا الزراعية وزيادة الإنتاج والصادرات

 

 

 

 

 

 

كتب فتحي السايح

 

قال الدكتور ابراهيم درويش استاذ المحاصيل بزراعة المنوفية تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في توقيت بالغ الأهمية، بالتزامن مع مرور 70 عامًا على العلاقات المصرية الصينية، وفي ظل عالم يعيد ترتيب خريطة التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد. ومن المنظور الزراعي، تطرح الزيارة فرصة تتجاوز التعاون التجاري التقليدي إلى بناء شراكة إنتاجية وتكنولوجية تدعم الأمن الغذائي المصري.

 

وأضاف فى تصريحات صحفية مصر تواجه تحديات واضحة: محدودية الأرض والمياه، ارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج، التغيرات المناخية، وزيادة الطلب على الغذاء، إلى جانب الحاجة إلى رفع إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية وزيادة الصادرات الزراعية.

 

واوصح في المقابل، تمتلك الصين تجربة تستحق الدراسة؛ فقد بلغ إنتاجها من الحبوب عام 2025 نحو 714.9 مليون طن، بزيادة 8.4 مليون طن عن 2024، بينما تجاوزت مساهمة التقدم العلمي والتكنولوجي في الزراعة 64%، وبلغت نسبة الميكنة الشاملة لعمليات زراعة وحصاد المحاصيل نحو 76.7%.

 

اكد هذه الأرقام تعكس درسًا مهمًا: المستقبل الزراعي لا يعتمد على زيادة المساحة فقط، وإنما على زيادة إنتاجية الأرض والمياه والتكنولوجيا.

 

التكنولوجيا.. نقطة الانطلاق

 

وقال درويش توسعت الصين في الزراعة الذكية، والذكاء الاصطناعي، والاستشعار عن بعد، والطائرات الزراعية المسيرة، وتحليل البيانات والميكنة الحديثة. وتجاوز عدد الطائرات الزراعية المسيرة لديها 300 ألف طائرة، تغطي عملياتها السنوية أكثر من 460 مليون مو، أي نحو 30.67 مليون هكتار.

 

والأهم لمصر ألا يتحول التعاون إلى مجرد استيراد للمعدات، وإنما إلى توطين للتكنولوجيا وتصنيع مشترك.

 

واشار الى ان من النماذج الواعدة في هذا الاتجاه إعلان شركة «فامسون» الصينية استثمار نحو 100 مليون دولار لإنشاء مصنع متكامل للمعدات الزراعية ومكونات مصانع الأعلاف في مصر بالشراكة مع مجموعة «كايرو ثري إيه».

 

وهذا النموذج يمكن توسيعه إلى معدات الري الحديث والميكنة ومعدات ما بعد الحصاد والتخزين والتعبئة والتصنيع الغذائي، بحيث تتحول مصر من سوق للمنتجات الصينية إلى قاعدة إنتاج وتصدير للأسواق الأفريقية والعربية.

 

مصر ليست سوقًا فقط

 

واستطرد درويش تمتلك مصر مقومات تجعلها شريكًا مهمًا للصين: موقعًا جغرافيًا يربط أفريقيا وآسيا وأوروبا، ومشروعات للتوسع الزراعي، وخبرة بحثية وزراعية، وقدرة تصديرية متنامية.

 

واكد ان سجلت الصادرات الزراعية المصرية في 2025 نحو 9.5 مليون طن، بزيادة تجاوزت 800 ألف طن عن العام السابق.

 

ومما لاشك ان هذا يفتح فرصة لزيادة صادرات الحاصلات والمنتجات الغذائية إلى السوق الصينية، بشرط تطوير التعبئة والتبريد والتتبع والالتزام باشتراطات سلامة الغذاء والصحة النباتية.

 

إذن يمكن أن تصبح المعادلة أكثر توازنًا:الصين تقدم التكنولوجيا والاستثمار والتصنيع.. ومصر تقدم الإنتاج والموقع والأسواق.

 

الأمن الغذائي يبدأ من الحقل ولا ينتهي عند الحصاد

 

واوضح استاذ المحاصيل الأمن الغذائي ليس مجرد زيادة إنتاج القمح أو الذرة أو الأرز، وإنما منظومة تبدأ من البذور والأرض والمياه، وتمتد إلى التخزين والتصنيع والنقل والتسويق.

 

وهنا يمكن الاستفادة من الخبرة الصينية في تقليل الفاقد، وسلاسل التبريد، والتعبئة، والتصنيع الزراعي.

 

وقال كل طن يفقد بعد الحصاد يعني فقد جزء من قيمة الأرض والمياه والأسمدة والطاقة التي استخدمت لإنتاجه، بينما تحويل المحصول إلى منتج مصنع يعني قيمة مضافة وفرص عمل وعائدًا تصديريًا أكبر.

 

المياه.. المؤشر الاقتصادي الجديد

 

والمح د. ابراهيم درويش بالنسبة لمصر، يجب أن يكون التعاون في إدارة المياه الزراعية على رأس الأولويات.

فالمعيار الجديد للنجاح لا ينبغي أن يكون فقط:طن/فدان

بل:كيلوجرام محصول/متر مكعب مياه.

ويمكن تنفيذ مشروعات مصرية صينية لتطبيق الري الدقيق، والاستشعار عن بعد، وإدارة الأسمدة والمياه وفق احتياجات النبات، إلى جانب استنباط أصناف أكثر تحملًا للجفاف والحرارة والملوحة.

 

خمسة مشروعات بعد الزيارة

 

وقال لتحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج اقتصادية، يمكن البدء بخمسة مسارات تنفيذية محددة: فى النقاط التالية

مزرعة مصرية صينية للزراعة الذكية:

 

إنشاء نموذج في إحدى مناطق التوسع الزراعي، وقياس خفض المياه والتكاليف وزيادة الإنتاجية قبل وبعد استخدام التكنولوجيا، ثم تعميم التقنيات الناجحة.

و برنامج مشترك لاستنباط الأصناف: تعاون بين مركز البحوث الزراعية والمؤسسات الصينية لتطوير أصناف القمح والذرة والمحاصيل الزيتية والخضر والفاكهة، أكثر إنتاجية وتحملًا للحرارة والجفاف والملوحة.

 

و التصنيع المشترك للمعدات الزراعية: زيادة المكون المحلي تدريجيًا في المعدات والآلات وأنظمة الري ومعدات ما بعد الحصاد، مع استهداف التصدير إلى أفريقيا.

 

ومراكز مشتركة لسلاسل القيمة: إنشاء مراكز للفرز والتعبئة والتبريد والتصنيع والتتبع للحاصلات التصديرية، بما يسمح بتصدير المنتج النهائي بدلًا من المحصول الخام.

 

وبرنامج لرفع إنتاجية المياه: اختيار محاصيل ومناطق محددة وقياس المياه المستخدمة والإنتاج والعائد الاقتصادي، وربط التوسع بالمشروعات التي تحقق أفضل إنتاج وقيمة مضافة لكل متر مكعب من المياه.

 

ولضمان التنفيذ، يمكن تشكيل لجنة مصرية صينية للأمن الغذائي والزراعة الحديثة تضم الحكومة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحوث، وتحدد لكل مشروع التمويل والجهة المسؤولة والجدول الزمني ومؤشرات الأداء.

 

من الاتفاقيات إلى النتائج

 

واكد نجاح زيارة الرئيس الصيني لن يقاس بعدد الاتفاقيات التي يتم توقيعها، وإنما بما يتحول منها إلى استثمارات وإنتاج وتكنولوجيا وصادرات وفرص عمل.

فالصين تمتلك التكنولوجيا والخبرة التصنيعية، ومصر تمتلك الموقع والأرض والخبرة الزراعية والأسواق.

والفرصة الحقيقية هي الجمع بين هذه المزايا.

لا نريد استيراد التكنولوجيا فقط.. بل توطينها. ولا نريد تصدير المحصول فقط.. بل تصنيع قيمته المضافة. ولا نريد زيادة الإنتاج على حساب المياه.. بل زيادة إنتاجية كل قطرة.

إذا نجحنا في تحويل هذا التقارب إلى مشروعات قابلة للقياس، فقد تنتقل العلاقات المصرية الصينية من شراكة تجارية إلى شراكة إنتاجية واستثمارية تدعم الأمن الغذائي، وتزيد الصادرات، وتوطن التكنولوجيا، وتمنح الزراعة المصرية قدرة أكبر على المنافسة.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *