حفلات التخرج.. بين حق الفرح وهيبة الجامعة وحدود الحرية

 

حين يصبح الاحتفال مناسبة للسؤال: أين تنتهي الحرية وتبدأ المسؤولية؟

 

بقلم / الأستاذ الدكتور عيد عبدالواحد علي درويش رئيس الجهاز التنفيذي لتعليم الكبار – رئيس الجهاز التنفيذي لمحو الأمية وتعليم الكبار

الأستاذ الدكتور السابق بكلية التربية – جامعة المنيا……….

ليست حفلات التخرج مجرد مناسبة عابرة تنتهي بانتهاء التصفيق والتقاط الصور؛ فهي في جوهرها لحظة إنسانية شديدة الخصوصية، ينتظرها الطالب وأسرته بعد سنوات من الدراسة والسهر والامتحانات والقلق والنجاح. ومن الطبيعي أن يريد الخريج أن يفرح، وأن يشارك أسرته وأصدقاءه فرحته، وأن يحتفل بثمرة سنوات من الجهد والعمل.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل يحق للخريج أن يفرح؟

فالجواب الطبيعي هو نعم.

 

وإنما السؤال الأكثر عمقًا هو: كيف نفرح؟ وأين نفرح؟ وما حدود هذا الفرح عندما يرتبط باسم الجامعة وشخصيتها وهيبتها وتقاليدها؟

 

وهنا تبدأ مساحة شائكة بين حق الإنسان في التعبير عن فرحته، وبين حق المؤسسة الجامعية في أن تضع من القواعد ما يحفظ هويتها واحترامها.

 

الفرح حق.. لكنه ليس بلا حدود

 

الفرح بالتخرج ليس سلوكًا مرفوضًا في ذاته، بل هو تعبير إنساني طبيعي عن إنجاز حقيقي.

 

والجامعة نفسها مطالبة بأن ترى في احتفال طلابها بنجاحهم جانبًا إيجابيًا؛ فالحياة الجامعية ليست قاعات ومحاضرات وامتحانات فقط، وإنما هي أيضًا بناء للإنسان وشخصيته وذكرياته وانتمائه للمؤسسة التي تعلم فيها.

 

وقد أكدت دار الإفتاء المصرية في فتوى منشورة عام 2025 أن إقامة حفلات التخرج جائزة من حيث الأصل، مع مراعاة الآداب والاحتشام والقيم والأعراف، وأن يكون الاحتفال منضبطًا بما يحفظ كرامة المؤسسة التعليمية. (موقع دار الإفتاء المصرية)

 

ومن هنا لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى معادلة خاطئة تقول إن الاحتفال يعني الفوضى، أو أن الانضباط يعني إلغاء الفرح.

 

فالمطلوب ليس إلغاء الفرح، وإنما ترشيده.

 

وفي المقابل.. الجامعة ليست مكانًا عاديًا

 

الجامعة مؤسسة علمية وتربوية لها شخصيتها الاعتبارية، ولها تقاليدها وأعرافها وقيمها.

 

وحين يستخدم الطالب اسم الجامعة أو شعارها أو الزي الأكاديمي أو الصفة الرسمية للتخرج، فإنه لم يعد يمثل نفسه فقط، وإنما يصبح – ولو بصورة رمزية – جزءًا من صورة المؤسسة التي ينتمي إليها.

 

وهنا يصبح من الطبيعي أن تضع الجامعة قواعد لتنظيم الفعاليات التي تحمل اسمها، تمامًا كما تفعل المؤسسات التعليمية الكبرى في مختلف دول العالم.

 

وقد اتخذ المجلس الأعلى للجامعات المصرية في أغسطس 2024 خطوات واضحة في هذا الاتجاه، عندما اعتمد تحديث الضوابط المنظمة لحفلات التخرج، مؤكدًا أن حفلات التخرج والفعاليات الطلابية الجامعية الرسمية تنظم داخل الحرم الجامعي والمنشآت التابعة للجامعة، وألا تطلق صفة «حفل تخرج» على فعاليات تقام خارج تلك المنشآت، وألا يستخدم اسم الجامعة أو شعارها في مثل هذه الفعاليات. (المصري اليوم)

 

وهذا يعني أن القضية ليست وليدة اللحظة، وإنما أصبحت بالفعل محل اهتمام مؤسسي وتنظيمي.

 

ولكن.. ماذا عن حقوق الإنسان؟

 

هنا تظهر زاوية أخرى لا يجوز تجاهلها.

 

فالطالب ليس مجرد عضو في مؤسسة جامعية، وإنما هو إنسان له حقوق وحريات أصيلة، من بينها الحق في التعبير عن نفسه وفي المشاركة الاجتماعية وفي الاحتفال بإنجازه.

 

لكن حقوق الإنسان، في مفهومها القانوني والحقوقي، لا تعني أن كل سلوك فردي يصبح محصنًا من التنظيم.

 

فالحرية لا تعني غياب القواعد، وإنما تعني أن تكون القيود مشروعة، ومعلنة، ومتناسبة، وضرورية لتحقيق غرض مشروع.

 

وهذا هو الفارق المهم بين:

 

تنظيم الحرية.. ومصادرة الحرية.

 

فالجامعة حين تحدد مكان الحفل، وموعده، وطريقة تنظيمه، وقواعد السلامة، وأسلوب استخدام اسمها وشعارها، فإنها تمارس وظيفة تنظيمية طبيعية.

 

لكن السؤال يصبح أكثر حساسية عندما تتحول القواعد إلى تدخل في تفاصيل شخصية لا تمس جوهر العملية التعليمية أو النظام العام، أو عندما تختلف المعايير من جامعة إلى أخرى ومن كلية إلى أخرى دون وضوح أو إعلان مسبق.

 

الملابس.. أين تبدأ الحرية وأين تبدأ قواعد المؤسسة؟

 

ربما تكون الملابس أكثر عناصر حفلات التخرج إثارة للجدل.

 

فالطالب يرى أن ملابسه جزء من اختياره الشخصي وحريته في التعبير عن ذاته، بينما ترى الجامعة أن المناسبة ذات طابع أكاديمي ورسمي، وأن من حقها أن تشترط مظهرًا يليق بالمناسبة وبالمؤسسة.

 

وهنا أيضًا لا ينبغي أن نختار أحد الطرفين بصورة مطلقة.

 

فالجامعة من حقها أن تطلب مظهرًا لائقًا بالحفل الأكاديمي، وأن تمنع الملابس أو الشعارات أو المظاهر التي تتعارض بوضوح مع طبيعة المناسبة أو الآداب العامة.

 

لكن في المقابل، ينبغي ألا تترك كلمة «اللائق» لتقديرات شخصية متغيرة؛ لأن ما يعتبره شخص لائقًا قد يراه آخر غير ذلك.

 

ولذلك فإن القاعدة المكتوبة أفضل من الاجتهاد الشخصي، والمعيار المعلن أفضل من المفاجأة، والوضوح أفضل من العقاب.

 

واللافت أن بعض المؤسسات التعليمية المصرية لديها بالفعل سياسات واضحة للزي والسلوك، كما أن بعض الجامعات تضع قواعد تفصيلية للفعاليات ومراسم التخرج. وفي نموذج حديث، أعلنت الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا في مراسم تخرج 2026 ضرورة ارتداء الزي الأكاديمي الرسمي، والالتزام بالملابس الرسمية، إلى جانب قواعد محددة للحركة والتصوير والمشاركة في مراسم التخرج. (E-JUST)

 

إذن، القضية ليست في وجود القواعد، وإنما في وضوحها وعدالتها وتناسبها.

 

حفلات خارج الجامعة.. من المسؤول عنها؟

 

هنا نصل إلى منطقة أخرى من النقاش.

 

فقد أصبح من الشائع أن ينظم بعض الخريجين احتفالات خاصة خارج أسوار الجامعة، في الفنادق أو القاعات أو الأماكن المفتوحة، وقد تكون هذه الاحتفالات مستقلة تمامًا عن الجامعة.

 

ومن حق الخريجين – من حيث المبدأ – أن ينظموا مناسبات اجتماعية خاصة بهم، طالما أنها لا تنتحل صفة فعالية جامعية رسمية ولا تستخدم اسم الجامعة أو شعارها بالمخالفة للقواعد.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المناسبة الخاصة إلى ما يشبه الحفل الجامعي الرسمي، أو يتم استخدام اسم الجامعة وشعارها، أو مشاركة أعضاء هيئة التدريس والعاملين باعتبارهم ممثلين للجامعة، أو تقديم الحفل للجمهور باعتباره نشاطًا رسميًا.

 

وهذا تحديدًا ما حاولت الضوابط المصرية معالجته.

 

وقد سبق أن أعلنت كلية الحقوق بجامعة طنطا رفضها لأي خروج عن الأعراف والتقاليد الجامعية في حفلات التخرج، حتى إذا أقيمت خارج أسوار الجامعة. (جامعة طنطا)

 

المشكلة ليست في الحفل.. بل في غياب معيار موحد

 

ربما يكون الجزء الأكبر من الجدل الحالي ناتجًا عن غياب تصور تفصيلي موحد يجيب بوضوح عن الأسئلة التي تتكرر كل عام:

 

من يحق له تنظيم حفل التخرج؟

 

هل الحفل داخل الجامعة فقط أم يمكن أن يكون خارجها؟

 

متى يصبح الحفل رسميًا؟

 

ما الملابس المناسبة؟

 

هل هناك زي أكاديمي موحد؟

 

ما حدود التصوير؟

 

ما المسموح والممنوع على المسرح؟

 

هل يجوز للطلاب إعداد فقرات فنية؟

 

ما حدود الموسيقى والاستعراض؟

 

ما قواعد حضور أعضاء هيئة التدريس؟

 

من يتحمل المسؤولية القانونية إذا وقع حادث؟

 

ومن المسؤول إذا تم استغلال اسم الجامعة تجاريًا؟

 

وماذا عن الشركات والقاعات التي تتربح من تنظيم حفلات التخرج؟

 

وهل يتحمل الطالب تكلفة احتفال مبالغ فيها لمجرد أن الجميع يفعل ذلك؟

 

هذه ليست أسئلة هامشية؛ إنها أسئلة تستحق أن تجد إجابات واضحة قبل أن تتسع دائرة الجدل كل عام.

 

لا للتجريم الاجتماعي.. ولا للفوضى المؤسسية

 

من الخطأ أن ننظر إلى كل مظاهر الفرح الشبابي باعتبارها خروجًا على القيم.

 

ومن الخطأ في الوقت نفسه أن نقول إن الشباب لهم الحق في فعل أي شيء لأن المناسبة «فرح».

 

فالجامعة مطالبة بحماية طلابها، كما أن الطلاب مطالبون باحترام جامعتهم.

 

والحل لا يكون بالمنع المطلق، كما لا يكون بترك الأمور بلا ضوابط.

 

الحل هو التوازن.

 

توازن بين الحرية والمسؤولية.

 

بين حق الطالب وحق المؤسسة.

 

بين الحداثة والتقاليد.

 

بين الفرح والاحترام.

 

وبين الشخصية الفردية والهوية الجماعية.

 

نحن بحاجة إلى قواعد لا إلى حملات غضب

 

المجتمع لا يحتاج كل عام إلى موجة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي حول صورة هنا أو فيديو هناك.

 

ولا يحتاج إلى أن تتحول حفلات التخرج إلى معركة بين جيل يرى نفسه أكثر تحفظًا وجيل يرى نفسه أكثر حرية.

 

الأفضل أن تتحول القضية من ردود أفعال إلى سياسة تعليمية واضحة.

 

فإذا كانت الجامعة تريد من الطالب الالتزام بزي معين، فلتعلن ذلك مسبقًا.

 

وإذا كانت تريد قواعد للتصوير، فلتعلنها.

 

وإذا كانت تمنع بعض السلوكيات على المسرح، فليكن ذلك مكتوبًا.

 

وإذا كان الحفل خارج الجامعة لا يمثلها، فليكن هذا واضحًا.

 

وإذا كانت هناك عقوبات أو إجراءات، فيجب أن تكون محددة ومتناسبة ومعلنة.

 

بهذه الطريقة لا يشعر الطالب أن هناك استهدافًا لشخصه، ولا تشعر الجامعة أنها فقدت السيطرة على صورتها وهيبتها.

 

الجامعة التي تحترم طلابها.. لا تخاف من تنظيم فرحهم

 

إن احترام الطالب لا يعني أن نتركه يفعل كل ما يريد.

 

كما أن احترام الجامعة لا يعني أن نطلب من الطالب أن يتخلى عن شخصيته.

 

الجامعة الحديثة هي التي تستطيع أن تقول للطالب:

 

افرح.. ولكن باحترام.

عبّر عن نفسك.. ولكن دون إساءة.

احتفل.. ولكن لا تهدم قيمة المناسبة.

كن مختلفًا.. ولكن لا تجعل اختلافك اعتداءً على الآخرين.

واستخدم حريتك.. ولكن تذكر دائمًا أن الحرية مسؤولية.

 

وفي المقابل، على الجامعة أن تقول لنفسها:

 

نظّم.. ولكن لا تبالغ.

ضع قواعد.. ولكن لا تجعلها تعسفية.

احفظ التقاليد.. ولكن لا تحولها إلى قيود غامضة.

احترم القيم.. ولكن احترم كذلك حقوق الطلاب.

 

وهنا تحديدًا يمكن أن نصل إلى معادلة أكثر عدلًا وإنسانية:

 

لا نريد جامعة بلا ضوابط، ولا نريد ضوابط بلا روح.

 

وأخيرًا.. إلى أن يشرع قانون رسمي لتنظيم تلك الحفلات

 

ربما آن الأوان للانتقال من الجدل الموسمي إلى إطار قانوني وتنظيمي واضح وشامل ينظم حفلات التخرج والفعاليات المرتبطة بها على مستوى الجامعات المصرية.

 

إطار يحدد بوضوح: من ينظم؟ وأين؟ وكيف؟ ومن المسؤول؟ وما طبيعة الملابس؟ وما حدود استخدام اسم الجامعة وشعارها؟ وما قواعد التصوير والموسيقى والفقرات الفنية؟ وما حقوق الطلاب؟ وما واجباتهم؟ وما مسؤولية الجامعة؟ وما الضوابط الخاصة بالحفلات التي تقام خارج أسوار الجامعة؟

 

على أن يكون هذا التنظيم قائمًا على التوازن، فلا يصادر فرحة الخريجين، ولا يسمح في الوقت نفسه بأن تتحول مناسبة علمية يفترض أن تجسد قيمة العلم والجامعة إلى مشهد يخرج عن الأعراف أو يسيء إلى المؤسسة أو ينتقص من كرامة أي طرف.

 

إلى أن يشرع قانون رسمي لتنظيم تلك الحفلات وما ينبغي فيها من ملبس وسلوك ومكان وتنظيم ومسؤوليات… علينا أن نتساءل: هل نحن أمام حق أصيل في الفرح والاحتفال، أم أمام حاجة حقيقية إلى تنظيم هذا الحق حتى لا يتحول من مناسبة للعلم والنجاح إلى مساحة للفوضى والجدل؟

 

والإجابة العادلة، في تقديري، ليست مع هذا الطرف أو ذاك… وإنما مع قاعدة واحدة:

الحرية تُحترم، والجامعة تُحترم، والفرح حق… لكن المسؤولية تظل واجبًا.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *