تحقيق : أسامة عبدالخالق
في الوقت الذي يمثل فيه المرض عبئًا قاسيًا على الأسرة المصرية، ويصبح البحث عن العلاج رحلة شاقة تزداد صعوبتها أمام محدودي الدخل، تبرز بعض المؤسسات الأهلية التي اختارت أن تجعل من العمل الخيري مشروعًا متكاملًا لخدمة الإنسان.
ومن بين هذه النماذج يأتي مستشفى الجمعية الشرعية للحروق والأورام «مستشفى أحمد عرابي»، المقام داخل جمعية أحمد عرابي بمدينة العبور، والذي بدأ العمل عام 2008، مستهدفًا تقديم الرعاية الطبية لمرضى الحروق والأورام، إلى جانب خدمات الرعاية العامة، مع إتاحة العلاج بالمجان لغير القادرين.
هنا لا يسأل المريض: معك كم؟
المشهد داخل مستشفى متخصص في علاج الحروق والأورام يحمل بطبيعته قدرًا كبيرًا من الألم؛ فالحروق لا تترك آثارًا جسدية فقط، وإنما قد تترك آثارًا نفسية واجتماعية تمتد لسنوات، بينما تمثل الأورام معركة طويلة تحتاج إلى تشخيص ورعاية وجراحات ومتابعة مستمرة.
وهنا تكمن أهمية الدور الذي تقوم به الجمعية الشرعية؛ فالمريض الذي قد تعجز أسرته عن تحمل تكاليف العلاج يجد أمامه بابًا للرعاية الطبية المجانية، وفق ما تعلنه المستشفى عن رسالتها في علاج مرضى الحروق والأورام والرعاية العامة.
إنها ليست مجرد خدمة طبية، وإنما محاولة لتخفيف واحدة من أثقل الأعباء التي يمكن أن تواجه الأسرة المصرية: مرض شديد التكلفة في وقت لا تسمح فيه الظروف الاقتصادية بتحمل فاتورة العلاج.
الحروق.. معركة تحتاج إلى رعاية متخصصة
من أخطر ما يميز إصابات الحروق أنها تحتاج إلى تعامل طبي متخصص ودقيق، بداية من التعامل مع الإصابة وحتى الغيارات والمتابعة والرعاية المستمرة.
وتشير البيانات المنشورة على الموقع الرسمي للمستشفى إلى أن قسم رعاية الحروق يضم 12 سريرًا، بالإضافة إلى غرفة للغيار الرطب وأخرى للغيار الجاف وغرفة عزل، مع وجود أطباء استشاريين وأخصائيين وهيئة تمريض وخدمات معاونة على مدار 24 ساعة طوال أيام الأسبوع.
وهذا يعكس أن القضية لا تتوقف عند استقبال المريض، وإنما تمتد إلى توفير منظومة رعاية متخصصة تتعامل مع طبيعة إصابات الحروق واحتياجاتها.
الأورام.. رحلة علاج لا تحتمل التوقف
أما مرضى الأورام، فقصتهم مختلفة في التفاصيل لكنها تتشابه في حجم المعاناة.
المريض يحتاج إلى متابعة وتشخيص وجراحات ورعاية متخصصة، والأسرة تحتاج في الوقت نفسه إلى الدعم النفسي والاجتماعي والقدرة على الاستمرار في رحلة العلاج.
وتظهر الأدلة الطبية المنشورة عن المستشفى وجود تخصصات وخدمات مرتبطة بعدد من أورام الأطفال، وأورام الجهاز الهضمي، والرأس والرقبة، والعظام والأنسجة الرخوة، والثدي، والجهاز البولي والتناسلي، إلى جانب عدد من التدخلات الجراحية المتخصصة.
وهنا يصبح تقديم العلاج بالمجان لغير القادرين أكثر من مجرد رقم في تقرير؛ فهو يعني بالنسبة لأسرة المريض استمرار الأمل في العلاج بدلًا من الاستسلام أمام ارتفاع التكلفة.
الجمعية الشرعية.. من العمل الخيري إلى الرعاية المؤسسية
اللافت في تجربة المستشفى أن العمل الخيري لم يتوقف عند تقديم مساعدات عابرة، وإنما اتخذ صورة مؤسسة طبية متخصصة لها أقسام وأطباء وتمريض وتجهيزات وخدمات علاجية.
ووفق الموقع الرسمي للمستشفى، فإن رؤيتها تستهدف تقديم خدمات صحية بكفاءة وفاعلية، مع الاهتمام بجودة الرعاية وسلامة المرضى وتدريب العاملين، فضلًا عن التطلع إلى تطوير البحث والتدريب في مجالات الحروق والأورام والرعاية الصحية.
وهذه النقطة تحديدًا تستحق التوقف أمامها؛ لأن نجاح العمل الأهلي لا يقاس فقط بعدد الحالات التي يتم استقبالها، وإنما بقدرته على بناء مؤسسة مستدامة تستطيع تقديم الخدمة الطبية بصورة منتظمة.
المجانية هنا ليست شعارًا.. وإنما مسؤولية
تقديم الخدمة الطبية مجانًا يضع المؤسسة أمام مسؤولية مضاعفة.
فالمستشفى لا يتعامل مع حالات بسيطة فقط، وإنما مع مرضى يحتاجون إلى رعاية متخصصة ومستمرة، وهو ما يعني احتياجًا دائمًا إلى أطباء وتمريض ومستلزمات وأدوية وتجهيزات وصيانة وتشغيل.
ومن ثم فإن استمرار هذا النوع من المؤسسات يحتاج إلى تكاتف المجتمع معها، سواء من خلال التبرعات أو المشاركة المجتمعية أو التعاون مع الجهات الطبية والمؤسسات الرسمية والأهلية.
من العبور إلى مساحة أوسع من العمل المجتمعي
ولا يبدو دور المستشفى محصورًا في تقديم العلاج فقط؛ فقد شهدت المستشفى مؤخرًا مشاركة في فعاليات مبادرة 100 مليون صحة بالتعاون مع الإدارة الصحية بالعبور التابعة لوزارة الصحة والسكان، في إطار التوعية الصحية وتقديم الخدمات الطبية للمواطنين.
وهذا يفتح الباب أمام مفهوم أوسع لدور المؤسسات الطبية الأهلية: أن تكون جزءًا من منظومة الصحة المجتمعية، لا مجرد مكان يستقبل المريض بعد وقوع المرض.
شهادة من خارج مصر على التجربة
ومن المؤشرات اللافتة أيضًا أن مؤسسة يمنية لرعاية مرضى السرطان أعلنت في وقت سابق زيارة مستشفى الجمعية الشرعية للحروق والأورام بجمعية أحمد عرابي، بهدف بدء التعاون لخدمة مرضى السرطان، وأشارت إلى أن المستشفى يقدم خدمات صحية متنوعة بالمجان لغير القادرين ولجميع الأجناس منذ افتتاحه عام 2008.
وهو ما يعكس أن تجربة المستشفى تجاوزت حدود تقديم الخدمة المحلية إلى إمكانية بناء شراكات إنسانية مع مؤسسات أخرى تهتم بمرضى السرطان.
السؤال الأهم: ماذا يحتاج هذا النموذج؟
الحديث عن تجربة المستشفى لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد إشادة؛ بل يجب أن يقودنا إلى سؤال أكثر أهمية:
كيف نحافظ على استمرار المؤسسات التي تقدم علاجًا مجانيًا لآلاف المحتاجين؟
الإجابة تبدأ من دعم المجتمع لها، وتشجيع رجال الأعمال والقادرين على المشاركة، وتوسيع الشراكات مع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، وتعظيم التعاون مع الجهات الصحية الرسمية، مع استمرار الرقابة والشفافية وقياس أثر الخدمة الطبية.
فكل جنيه يصل إلى مؤسسة علاجية مجانية لا ينبغي النظر إليه باعتباره تبرعًا فقط، وإنما باعتباره استثمارًا في حياة إنسان.
رسالة إنسانية قبل أن تكون طبية
في النهاية، تظل قيمة مستشفى الجمعية الشرعية للحروق والأورام في جوهر الفكرة التي قامت عليها: أن المرض لا ينبغي أن يحرم الإنسان من حقه في العلاج بسبب ظروفه المادية.
قد يدخل المريض المستشفى وهو يحمل ألمًا في جسده وخوفًا على مستقبله، لكنه عندما يجد مؤسسة تفتح أبوابها أمامه وتقدم له الرعاية دون أن تجعل الفقر سببًا للحرمان من العلاج، فإنها لا تقدم له خدمة طبية فحسب، بل تمنحه شيئًا ربما يكون أكثر أهمية:
الأمل.
وفي بلد يحتاج إلى المزيد من النماذج الناجحة للعمل الأهلي، تظل تجربة مستشفى الجمعية الشرعية للحروق والأورام جديرة بالتوثيق والمتابعة، ليس فقط لأنها تقدم علاجًا مجانيًا، ولكن لأنها تقدم نموذجًا لما يمكن أن يصنعه العمل الخيري عندما يتحول إلى مؤسسة طبية متخصصة ومستدامة تضع الإنسان في قلب رسالتها.
معلومات تهم المواطن
يقع المستشفى في خط 5 شمال، متفرع من طريق مصر–الإسماعيلية الصحراوي، داخل جمعية أحمد عرابي بمدينة العبور، محافظة القليوبية. وتورد الأدلة المحلية أرقام التواصل: 01125660666 – 01115593749 – 01010959823.
ويبقى الأهم: أن يعرف كل مواطن أن خلف أبواب بعض مؤسسات العمل الأهلي في مصر قصصًا حقيقية تُكتب كل يوم، أبطالها مرضى يبحثون عن فرصة، وأطباء وممرضون يؤدون رسالتهم، ومؤسسات اختارت أن تجعل من خدمة الإنسان قضية تستحق أن تستمر.

اترك تعليقاً