بقلم: أسامة عبدالخالق
في منظومة الصحة، هناك من يتعامل مع المرض بعد وقوعه، وهناك من يعمل على ألا يصل المرض إلى المواطن من الأساس. وبين العلاج والوقاية تتجسد واحدة من أهم معادلات الأمن الصحي للدول، وهي المعادلة التي اختار الدكتور عمرو محمد قنديل أن يضع خبرته وجهده في قلبها، ليصبح الطب الوقائي بالنسبة إليه ليس مجرد تخصص طبي، وإنما مشروعًا وطنيًا لحماية الإنسان والمجتمع والدولة.
وجاء تتويج هذه المسيرة بحصوله على جائزة نيلسون مانديلا لتعزيز الصحة لعام 2026 من منظمة الصحة العالمية، ليكون أول مصري ينال هذه الجائزة الرفيعة، في اعتراف دولي بمسيرة امتدت لأكثر من 25 عامًا في خدمة الصحة العامة المصرية والإقليمية.
من مصر إلى منصات التكريم الدولية
لم تأتِ الجائزة باعتبارها تكريمًا لشخص فحسب، وإنما جاءت تقديرًا لمسار مهني طويل في مجال ربما لا يحظى دائمًا بنفس الظهور الإعلامي الذي يحظى به العلاج، لكنه يمثل خط الدفاع الأول عن صحة المصريين.
فمن خلال مسؤولياته في منظومة الطب الوقائي، ارتبط اسم الدكتور عمرو قنديل بملفات شديدة الأهمية، من بينها مكافحة الأمراض المعدية، والتطعيمات، والترصد الوبائي، ومكافحة العدوى، ومقاومة مضادات الميكروبات، إلى جانب تطوير منظومات الصحة العامة والاعتماد على التكنولوجيا والبيانات في إدارة الملفات الوقائية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن قنديل حصل على الجائزة تقديرًا لإسهاماته في القيادة في مجال الصحة الوقائية، والصحة العامة، ومكافحة الأمراض، فضلًا عن دوره في بناء منظومة صحية أكثر قدرة على الصمود، تقوم على الوقاية والابتكار والعدالة الصحية.
إنجازات تتحدث عن نفسها
الأرقام والشهادات الدولية هنا ليست مجرد عبارات احتفالية، وإنما مؤشرات على مسار عمل طويل.
فقد ارتبطت جهوده بقيادة منظومة الطب الوقائي في مصر نحو الحصول على إشهادات منظمة الصحة العالمية المتعلقة بالقضاء على شلل الأطفال والحصبة والحصبة الألمانية والتراخوما والملاريا، كما شهد ملف الالتهاب الكبدي الفيروسي «بي» بين الأطفال تقدمًا مهمًا، أصبحت معه مصر أول دولة في إقليم شرق المتوسط تحقق السيطرة على المرض في هذه الفئة وفق ما أعلنته الجهات الرسمية.
وفي ملف مكافحة العدوى ومقاومة مضادات الميكروبات، شهدت المنظومة تطورًا لافتًا، من بينها حصول خمسة مستشفيات على الاعتماد الدولي، في خطوة تعكس أهمية تحويل إجراءات الوقاية ومكافحة العدوى إلى ثقافة مؤسسية داخل المنشآت الصحية.
ولم تتوقف المسيرة عند مكافحة الأمراض، بل امتدت إلى التحول الرقمي في منظومات التطعيمات، وتسجيل المواليد والوفيات، والترصد الوبائي والحجر الصحي، إلى جانب اعتماد 129 وحدة للرعاية الصحية الأولية وتطبيق العلاج على نفقة الدولة في 100 وحدة صحية، وفق بيانات وزارة الصحة والسكان.
الطب الوقائي.. أمن قومي من نوع آخر
الدرس الأهم في تجربة الدكتور عمرو قنديل أن حماية صحة المواطن لا تبدأ داخل غرفة العمليات أو عند وصول المريض إلى المستشفى، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير.
تبدأ من التطعيم.
ومن الترصد.
ومن اكتشاف المرض قبل انتشاره.
ومن مكافحة العدوى.
ومن بناء قاعدة بيانات تستطيع الدولة من خلالها أن ترى الخطر قبل أن يتحول إلى أزمة.
ومن هنا يمكن النظر إلى الطب الوقائي باعتباره أحد مكونات الأمن القومي الصحي؛ لأن الدولة التي تستطيع منع انتشار الأمراض، والاستعداد للأوبئة، والسيطرة على العدوى، وحماية أطفالها، هي دولة تمتلك قدرة أكبر على حماية مجتمعها والحفاظ على استقرارها.
وهذا هو جوهر التجربة التي يمثلها الدكتور عمرو قنديل؛ الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق، ومن علاج المشكلة إلى منع حدوثها.
جائزة باسم مانديلا.. ورسالة لمصر
أن يحمل التكريم اسم نيلسون مانديلا يمنحه قيمة رمزية خاصة؛ فالجائزة التي أنشئت عام 2019 تخليدًا للذكرى المئوية لميلاد مانديلا، تُمنح تقديرًا للإسهامات الاستثنائية ذات التأثير الملموس في تحسين صحة المجتمعات.
وعندما تختار منظمة الصحة العالمية طبيبًا مصريًا ليكون أحد أبرز المكرمين عالميًا في مجال تعزيز الصحة عام 2026، فإن الرسالة تتجاوز حدود الشخص إلى قدرة الكفاءات المصرية على صناعة الفارق في منظومة الصحة العالمية.
وقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن قنديل أسهم في تعزيز نموذج مستدام للصحة العامة يجمع بين الوقاية، والتحول الرقمي، والمشاركة المجتمعية، والعدالة الصحية.
نموذج للقيادة الهادئة
ربما لا يكون الدكتور عمرو قنديل من الشخصيات التي تبحث عن الأضواء، لكن طبيعة العمل الوقائي نفسها تقوم في كثير من الأحيان على نجاح لا يراه المواطن؛ لأن أفضل نتيجة للوقاية هي ألا يقع المرض من الأساس.
وهنا تكمن قيمة القيادة في الملفات الوقائية: كلما نجحت المنظومة، قلَّت الأزمات التي يراها الناس.
إن القضاء على مرض أو السيطرة على عدوى أو منع انتشار وباء لا يظهر دائمًا في صورة افتتاح مستشفى أو جهاز طبي جديد، لكنه يظهر في ملايين المواطنين الذين لم يصابوا بالمرض.
ومن هذه الزاوية، فإن الإنجاز الحقيقي للطب الوقائي هو أنه يحمي الإنسان دون أن يشعر أحيانًا بحجم الجهد الذي بُذل لحمايته.
الدكتور عمرو قنديل.. تكريم لشخص ومسيرة ووطن
إن حصول الدكتور عمرو محمد قنديل على جائزة نيلسون مانديلا لتعزيز الصحة لعام 2026 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره إنجازًا فرديًا فقط، وإنما باعتباره شهادة دولية على مسيرة من العمل المؤسسي داخل قطاع الصحة العامة المصري.
فوراء الجائزة سنوات من العمل في مكافحة الأمراض المعدية، والتطعيمات، ومكافحة العدوى، والترصد، والتحول الرقمي، وتطوير الرعاية الأولية، وهي ملفات تمس حياة المصريين بصورة مباشرة.
ولذلك فإن الاحتفاء بالدكتور عمرو قنديل هو في جوهره احتفاء بفكرة أوسع:
أن مصر تمتلك كفاءات قادرة على المنافسة عالميًا عندما تتوافر لها البيئة المؤسسية والدعم والإصرار على العمل.
ويبقى التكريم الحقيقي لأي مسؤول صحي هو أن تتحول خبرته إلى منظومة مستدامة، وأن تتحول الإنجازات الفردية إلى مؤسسات قادرة على مواصلة النجاح، وأن يشعر المواطن في النهاية بأن الدولة كانت سباقة في حمايته قبل أن يطرق باب المستشفى.
وهنا تحديدًا تتجلى قيمة الدكتور عمرو قنديل؛ طبيب جعل من الوقاية رسالة، ومن الصحة العامة مسؤولية وطنية، ومن العمل المؤسسي طريقًا إلى إنجاز وصل صداه إلى العالم.
فألف تحية لكل طبيب يعمل في صمت من أجل أن يبقى المصريون أكثر صحة وأمانًا، وتحية خاصة للدكتور عمرو قنديل الذي حمل اسم مصر إلى منصة دولية رفيعة، وأثبت أن النجاح المصري حين يقوم على العلم والعمل يمكن أن يحصد تقدير العالم.

اترك تعليقاً