قافلة طبية غيرت معادلة الوصول إلى العلاج في أقصى الصعيد.. 1217 مستفيدًا وخدمات تمتد من الكشف والدواء إلى الأشعة والعمليات والنظارات
تحقيق – أسامة عبدالخالق
في أقصى جنوب مصر، حيث تتسع المسافات وتزداد أعباء الانتقال إلى مراكز العلاج المتخصصة، لم تكن القافلة الطبية الأولى للجمعية الشرعية الرئيسية بمحافظة أسوان مجرد أيام للكشف الطبي، وإنما جاءت كرسالة واضحة مفادها أن الوصول إلى الخدمة الصحية حق لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الجغرافيا أو الإمكانات المادية.
وعلى مدار أربعة أيام، خلال الفترة من 6 إلى 9 أغسطس 2026، تحولت عيادات الجمعية الشرعية بالموايسات في إدفو وعيادات الرحاب بكيما بأسوان إلى خلية عمل طبية متكاملة، استقبلت 1217 مستفيدًا، بينما بلغ إجمالي الكشوف الطبية 1372 كشفًا، نتيجة حاجة بعض الحالات إلى العرض على أكثر من تخصص.
القافلة استهدفت بصورة أساسية الأيتام وطلاب العلم وأسرهم، إلى جانب الأسر الأولى بالرعاية، في إطار توجه الجمعية لتقديم خدماتها الصحية والاجتماعية إلى الفئات الأكثر احتياجًا، خصوصًا في المحافظات الحدودية وأقصى الصعيد.
العلاج يبدأ من الكشف.. ولا ينتهي عنده
اللافت في تجربة القافلة أنها لم تتعامل مع الكشف الطبي باعتباره نهاية الخدمة، وإنما جعلته نقطة البداية لمسار علاجي متكامل.
فالجمعية تكفلت بمصاريف الخدمات الطبية المقدمة، بما يشمل الكشف الطبي وصرف الأدوية وإجراء التحاليل والأشعات، مع استمرار التنسيق للحالات التي تحتاج إلى خدمات أكثر تخصصًا، ومنها الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية وأشعات العيون، وتجهيز النظارات الطبية وإجراء العمليات الجراحية المطلوبة.
كما تم إصدار كارت صحي لكل مريض، بما يسمح بمتابعة الحالة الصحية مستقبلًا، وهي خطوة تعكس الانتقال من مفهوم القافلة الطبية المؤقتة إلى فكرة المتابعة والرعاية المستمرة.
ويقول الأستاذ مصطفى إسماعيل، الأمين العام للجمعية الشرعية الرئيسية، إن الجمعية حرصت على تحمل جميع مصاريف القافلة حتى تصل الخدمة الطبية المتكاملة والمجانية إلى مستحقيها، مؤكدًا استمرار دعم الأيتام وطلاب العلم والأسر الأولى بالرعاية في المحافظات الحدودية.
8 تخصصات.. والأرقام تكشف حجم الاحتياج
تكشف الإحصاءات النهائية للقافلة عن حجم الإقبال وتنوع الاحتياجات الصحية لدى المستفيدين.
فقد جاءت عيادة الرمد في مقدمة التخصصات من حيث عدد الحالات، حيث استقبلت 229 حالة بإجمالي 239 كشفًا، تلتها عيادة العظام التي تعاملت مع 201 حالة بإجمالي 240 كشفًا.
أما الباطنة فسجلت 186 حالة و221 كشفًا، فيما استقبلت عيادة الأطفال 176 حالة بإجمالي 183 كشفًا.
وفي تخصص الجلدية والتناسلية تم توقيع الكشف على 154 حالة بإجمالي 187 كشفًا، بينما استقبلت عيادة الأنف والأذن 142 حالة بإجمالي 158 كشفًا.
كما شهدت عيادة المخ والأعصاب توقيع الكشف على 106 حالات بإجمالي 117 كشفًا، فيما ناظرت عيادة الجراحة العامة والأطفال 23 حالة بإجمالي 27 كشفًا.
وتشير هذه الأرقام إلى أن القافلة لم تكن ذات تخصص واحد، وإنما مثلت منظومة طبية متعددة التخصصات أتاحت للمستفيد الحصول على أكثر من خدمة طبية في إطار واحد.
«الخدمة مجانية بالكامل».. من يتحمل فاتورة العلاج؟
ربما تكمن إحدى أهم رسائل القافلة في أن المريض لم يكن مطالبًا بتحمل تكلفة الخدمات التي يحتاج إليها في إطار البرنامج.
فبحسب الجمعية، تم توفير التحاليل الطبية والعلاج الموصوف بالمجان، من خلال التعاقد مع معامل وصيدليات، إلى جانب الأشعات العادية والسونار.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ يجري استكمال الإجراءات الخاصة بالحالات التي تحتاج إلى خدمات تشخيصية أو علاجية أكثر تقدمًا، بما في ذلك الأشعات المتخصصة والعمليات الجراحية والنظارات الطبية.
وهنا تتحول القافلة من مجرد «يوم طبي» إلى سلسلة متكاملة تبدأ بالتشخيص وتستمر بالعلاج والمتابعة.
لماذا أسوان؟
اختيار أسوان لم يكن مجرد محطة جغرافية لقافلة طبية، فالمحافظة تقع في أقصى جنوب البلاد، وتضم تجمعات سكانية تتباعد فيما بينها، كما أن الوصول إلى بعض الخدمات الطبية المتخصصة قد يمثل عبئًا إضافيًا على الأسر محدودة الدخل.
ومن هنا تكتسب القافلة أهمية خاصة، لأنها تنقل جزءًا من الخدمة إلى المواطن بدلًا من أن ينتظر المواطن الوصول إلى الخدمة.
وتؤكد الجمعية أن التوجه إلى المحافظات الحدودية وأقصى الصعيد يأتي ضمن دورها المجتمعي في مساندة الفئات الأولى بالرعاية، وهو ما يجعل استمرار هذه القوافل وتوسيع نطاقها أمرًا ذا أهمية كبيرة.
وراء الأرقام.. 1217 قصة إنسانية
قد تبدو الأرقام في البيانات الرسمية مجرد إحصاءات، لكن خلف كل رقم حالة إنسانية تبحث عن علاج، وأسرة تحاول مواجهة أعباء المعيشة، وطفل يحتاج إلى متابعة طبية، وطالب علم يحتاج إلى رعاية، ويتيم قد تكون تكلفة الكشف والعلاج عبئًا حقيقيًا على أسرته.
ولهذا فإن نجاح القافلة لا يقاس فقط بعدد الكشوف التي تم توقيعها، وإنما أيضًا بقدرتها على الوصول إلى المستحقين وتخفيف العبء المالي عنهم وربطهم ببرنامج علاجي يمكن متابعته بعد انتهاء أيام القافلة.
فريق طبي متخصص.. والعمل الجماعي كلمة السر
جاء تنفيذ القافلة تحت إشراف الدكتور علي فؤاد مخيمر، رئيس القطاع الطبي ورئيس القافلة، والدكتور محمد رشاد ثروت، رئيس المراكز الطبية المتخصصة، وبمشاركة نخبة من الاستشاريين والأخصائيين والإداريين.
وضم الوفد الطبي:
– د. علي فؤاد علي مخيمر – رئيس القطاع الطبي ورئيس القافلة.
– د. محمد رشاد محمد ثروت – رئيس المراكز الطبية المتخصصة.
– د. محمد مجدي عبد المنعم محمد الصباغ – استشاري أمراض الباطنة.
– د. حسن عبد الباري دسوقي عليان – استشاري الجلدية والتناسلية.
– د. رضا فاضل محمد سمك – استشاري أمراض المخ والأعصاب.
– أ.د. أحمد محمد إسماعيل عبد العزيز – أستاذ طب الأطفال.
– د. هشام سامي عبد الصادق داود – استشاري الأنف والأذن.
– د. أحمد مختار السيد حسن – استشاري طب وجراحة العيون.
– د. أحمد هاشم محمود عبد الله – أخصائي عظام.
– أ. محمد جمعة حافظ – مدير إداري القطاع الطبي وإداري القافلة.
وجود هذا التنوع الطبي والإداري ساعد على تقديم خدمة متعددة التخصصات، بدلًا من اقتصار القافلة على تخصص أو تخصصين.
من قافلة إلى مشروع مستمر
التحدي الحقيقي بعد انتهاء القافلة لا يتعلق بعدد من تم الكشف عليهم فقط، وإنما بما سيحدث للحالات التي تحتاج إلى استكمال العلاج.
وهنا تبدو أهمية ما أعلنته الجمعية من استمرار التنسيق لإجراء الأشعات المتخصصة والعمليات الجراحية وتجهيز النظارات الطبية، إلى جانب وجود الكارت الصحي الذي يسمح بمتابعة الحالات.
فإذا كانت القافلة قد نجحت في الوصول إلى 1217 مستفيدًا خلال أربعة أيام، فإن القيمة الأكبر ستتحقق عندما تتحول نتائج الكشف إلى علاج فعلي ومتابعة مستمرة للحالات التي تحتاج إلى ذلك.
«الشرعية».. خدمة المجتمع من بوابة الصحة
القافلة الطبية الأولى للجمعية الشرعية الرئيسية في أسوان قدمت نموذجًا للعمل الأهلي الذي يجمع بين الرعاية الصحية والدعم الاجتماعي والوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
والرسالة الأهم التي خرجت بها القافلة أن العمل الخيري لا ينبغي أن يقتصر على تقديم المساعدة العاجلة، وإنما يمكن أن يتحول إلى منظومة متكاملة تحفظ للإنسان كرامته وتساعده على الحصول على العلاج الذي يحتاج إليه.
وبين 1372 كشفًا و1217 مستفيدًا و8 تخصصات طبية، تبدو تجربة أسوان بداية قابلة للبناء عليها، خصوصًا إذا تحولت القوافل الطبية إلى برنامج دوري يصل إلى مزيد من القرى والمراكز والمناطق الأكثر احتياجًا في محافظات الصعيد والمحافظات الحدودية.
ففي النهاية.. قد ينتهي موعد القافلة، لكن أثرها الحقيقي يبدأ عندما يعود المريض إلى منزله وقد حصل على تشخيص وعلاج وأمل في متابعة أفضل لحالته.

اترك تعليقاً