مشروع الأحوال الشخصية في مأزق قانوني: يتزوج المسيحي بشريعة كنيسته.. ويُطلَّق بالشريعة الإسلامية

 

كتبت هدى العيسوى

أكد الدكتور نادر الصيرفي، محامي مصر الأول في قوانين وقضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين، عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، أن مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين بصورته الحالية «وُلِد ميتًا»، وأن تنظيم الزواج المختلط بين الطوائف يكشف بصورة واضحة خطورة غياب المتخصصين عن إعداد المشروع وهيمنة الرؤى الطائفية على صياغته.

 

 

وأوضح الصيرفي أن المشكلة ليست قانونية معقدة كما قد تبدو، ويمكن فهمها ببساطة إذا قسمنا الطوائف الست بالطريقة التي تعامل بها المشروع معها إلى فئتين.

 

 

طائفتان ترفضان الزواج المختلط.. والقانون «الموحد» يبدأ بالانقسام

الفئة الأولى تضم الأقباط الأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس، وهما الطائفتان اللتان ترفضان الزواج المختلط.

وهنا تظهر المشكلة الأولى والأبسط:

 

 

كيف يسمى القانون موحدًا، بينما الزواج الذي يسمح به لأبناء أربع طوائف يمنعه عن أبناء طائفتين؟

والأغرب أن رفض الزواج المختلط لدى الأقباط الأرثوذكس يثير تساؤلًا آخر في ضوء الحل الذي تبناه المشروع نفسه.

 

 

فالمشرع قرر الأخذ بـ«شريعة عقد الزواج»، ومعناها ببساطة أن الشخص إذا تزوج وفق شريعة كنيسة معينة، فإن شريعة هذه الكنيسة هي التي تحكم الزواج.

 

 

فإذا كانت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية هي التي عقدت الزواج، فإن الشريعة القبطية الأرثوذكسية هي شريعة العقد.

 

 

وهنا يصبح السؤال:

إذا كان المشرع قد حدد بالفعل شريعة العقد، فلماذا يُرفض الزواج المختلط أصلًا؟

والسؤال الأصعب: هل يجوز للقبطي الأرثوذكسي الزواج من أرمنية أرثوذكسية؟

هنا تظهر مفارقة أكثر غرابة.

 

 

الأقباط الأرثوذكس يرفضون الزواج المختلط.

والأرمن الأرثوذكس يرفضونه أيضًا.

فماذا يحدث إذا أراد قبطي أرثوذكسي الزواج من أرمنية أرثوذكسية؟

الاثنان أرثوذكس.

لكن كل واحد منهما ينتمي إلى طائفة مختلفة.

 

 

هل يعتبر هذا زواجًا مختلطًا ممنوعًا؟

وإذا كان ممنوعًا، فأين «القانون الموحد» الذي قيل إنه جاء لتوحيد أحكام الأحوال الشخصية للمسيحيين؟

المشكلة هنا لا تتعلق بالطلاق بعد الزواج.

 

 

المشكلة أن القانون لم يوحد حتى إمكانية الزواج ذاته.

أربع طوائف تقبل الزواج المختلط.. وهنا تبدأ المشكلة الأكبر

الفئة الثانية تضم الكاثوليك والإنجيليين والروم الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس.

هذه الطوائف تقبل الزواج المختلط.

 

 

وهنا قد يعتقد القارئ أن المشكلة انتهت.

الحقيقة أنها تبدأ.

لأن المشرع أجاز الزواج بين شخصين من طائفتين مختلفتين، لكنه أصبح مطالبًا بالإجابة عن سؤال لا مفر منه:

إذا اختلف الزوجان بعد الزواج وطلب أحدهما الطلاق، فأي شريعة يطبق القاضي؟

 

 

المشرع اعتقد أن الحل في «شريعة العقد»

يبدو أن واضعي المشروع اعتقدوا أنهم وجدوا حلًا بسيطًا.

وهو تطبيق شريعة عقد الزواج.

والمقصود بها، بصورة مبسطة، الشريعة التي تم الزواج وفقًا لها.

 

 

فإذا تزوج رجل روم أرثوذكس بامرأة إنجيلية داخل الكنيسة الإنجيلية، تكون الشريعة الإنجيلية هي شريعة عقد الزواج.

 

 

وإذا تم الزواج في الكنيسة الروم الأرثوذكسية، تكون شريعة الروم الأرثوذكس هي شريعة العقد.

الحل يبدو سهلًا.

 

 

لكنه يصطدم مباشرة بقضاء محكمة النقض.

محكمة النقض: زواجك في كنيسة أخرى لا يعني أنك أصبحت من طائفتها

استقر قضاء محكمة النقض على أن عقد الخطبة أو الزواج وفق طقوس طائفة معينة لا ينهض بذاته دليلًا على تغيير الملة.

 

 

ومعنى ذلك بمنتهى البساطة:

إذا كان الزوج رومًا أرثوذكسيًا وتزوج إنجيلية في الكنيسة الإنجيلية، فإنه لا يصبح إنجيليًا لمجرد الزواج.

هو يظل رومًا أرثوذكسيًا.

وهي تظل إنجيلية.

 

 

إذن لدينا زواج تم وفق الشريعة الإنجيلية، لكن الزوجين نفسيهما ما زالا من ملتين مختلفتين.

وهنا يسقط الحل السهل الذي تصوره المشروع.

 

 

وهنا تظهر نتيجة غياب المتخصصين

وأكد الصيرفي أن هذه النقطة تحديدًا تكشف خطورة غياب المتخصصين في قوانين وقضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين عن صناعة المشروع.

 

 

فالمشكلة لم تكن تحتاج فقط إلى معرفة موقف الكنائس من الزواج المختلط.

كانت تحتاج إلى متخصص يعرف ماذا يحدث أمام المحكمة بعد انعقاد هذا الزواج.

 

 

فشريعة عقد الزواج لا تمحو ملة الزوجين، ولا تجعل الشخص تابعًا تلقائيًا للكنيسة التي تم الزواج فيها.

وهذه ليست وجهة نظر فقهية جديدة.

 

 

إنها قاعدة مستقرة في قضاء محكمة النقض.

روم أرثوذكس تزوج إنجيلية.. هل نطبق شريعة العقد أم الشريعة الإسلامية؟

 

 

لنضع المشكلة أمام القارئ في مثال واحد.

رجل روم أرثوذكس.

تزوج امرأة إنجيلية.

تم الزواج في الكنيسة الإنجيلية.

ثم وقع الخلاف وطلب أحدهما الطلاق.

 

 

هناك طريق يبدو ظاهرًا من المشروع:

نطبق الشريعة الإنجيلية لأنها شريعة عقد الزواج.

لكن هناك حقيقة قانونية أخرى:

الرجل ما زال رومًا أرثوذكسيًا.

 

 

والمرأة ما زالت إنجيلية.

أي أنهما مختلفا الملة.

فهل نطبق الشريعة الإنجيلية باعتبارها شريعة العقد؟

أم نطبق القاعدة القانونية المستقرة عند اختلاف الملة؟

 

 

الإجابة: الشريعة الإسلامية

يرى الصيرفي أن الإجابة القانونية هنا تقود إلى تطبيق الشريعة الإسلامية عند اختلاف الملة وعدم اتحاد الزوجين في شريعة واحدة واجبة التطبيق، وفقًا للقواعد العامة المستقرة في الأحوال الشخصية لغير المسلمين.

وما يؤكد أننا أمام اختلاف حقيقي في الملة وليس مجرد اختلاف في اسم الكنيسة أن أحكام الطلاق نفسها مختلفة بين الطائفتين.

 

 

فالمشروع لم يضع للروم الأرثوذكس والإنجيليين قانونًا موضوعيًا واحدًا في جميع أسباب انتهاء الزواج.

بل قد يختلف سبب انتهاء الزواج وتكييفه وآثاره من طائفة إلى أخرى.

 

 

وبالتالي لا توجد شريعة طائفية واحدة مشتركة بين الزوجين يمكن ببساطة افتراض تطبيقها عليهما.

والنتيجة: العودة إلى الشريعة الإسلامية.

 

 

المفارقة: قانون للمسيحيين يعيد الزواج المسيحي المختلط إلى الشريعة الإسلامية

وهنا تظهر المفارقة كاملة.

المشروع سمح لأربع طوائف مسيحية بالزواج المختلط.

لكنه لم يوحد الشريعة التي تحكم هذا الزواج.

 

 

واعتقد أن شريعة عقد الزواج تكفي.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *