كتبت سحر مهني
تظل قصة حياة الفنانة الراحلة وردة الجزائرية واحدة من أكثر السير الذاتية إثارة للجدل والاهتمام في تاريخ الفن العربي؛ إذ لم تكن رحلتها مجرد مسيرة غنائية حافلة بالنجاحات، بل كانت أشبه بملحمة درامية تشابكت فيها السياسة بالنضال، وقصص الحب بالانكسارات والتضحيات الشخصية.
حكم بالإعدام ونضال مبكر
بدأت المحطات الشائكة في حياة “أميرة الطرب” مبكراً جداً، وتحديداً خلال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر؛ حيث واجهت الفنانة الشابة وقتها حكماً قضائياً غيابياً بالإعدام من قِبل السلطات الفرنسية، وذلك بسبب استغلال صوتها ومكانتها الفنية في دعم المقاومة الجزائرية ومساندة ثورة التحرير.

ولم يتوقف الأمر عند وردة وحدها، بل طال الحكم والدها الذي اتُهم بالتستر على مخازن أسلحة تابعة للثوار داخل مطبعه وممتلكاته بباريس، مما اضطر العائلة إلى الفرار والهروب في الخفاء باتجاه بيروت لحماية حياتهم.
صراع الشغف واعتزال المطبخ
عقب زواجها الأول من ضابط جزائري، ابتعدت وردة عن الساحة الفنية تماماً امتثالاً لشروطه، وعاشت فترة عصيبة صرّحت عنها مقربون منها بأنها كانت تُفرغ شغفها الفني بالغناء داخل منزلها أثناء قيامها بالأعمال المنزلية.
غير أن مسار حياتها تغير مجدداً بقرار سياسي؛ إذ تدخل الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين شخصياً، وطلب منها العودة إلى الغناء والمشاركة في الاحتفال بعيد الاستقلال العاشر للجزائر عام 1972، وهو الاحتفال الذي أثر على استقرار حياتها الزوجية الأولى وانتهى بالانفصال، لتعود رسمياً إلى محراب الفن.
ارتباط تاريخي وانفصال بسبب “العشوائية”
شهدت تلك العودة إعادة إحياء قصة الحب الشهيرة بينها وبين الموسيقار المصري بليغ حمدي، والتي تُوجت بالزواج لمدة استمرت نحو 10 سنوات، أثمرت عن أضخم وأهم روائع الفن العربي مثل “العيون السود” و”خليك هنا”.
ورغم النجاح الفني الساحق لهذا الثنائي، إلا أن الحياة الزوجية شهدت اضطرابات حادة وصفتها وردة في تصريحات لاحقة بأنها كانت نتيجة “طباع بليغ العشوائية وحبه المفرط للحرية”، مشيرة إلى أن تلك الأزمات النفسية أثرت على صحتها وشهدت تعرضها للإجهاض مرتين، لتلخص العلاقة بقولها الشهير: «بليغ كان زوجاً فاشلاً وسيئاً معي، ولكنه كان فناناً عظيماً لا يُكرر».
مراجعات شجاعة في سنوات الرحيل
وفاءً لرؤيتها الفنية في سنواتها الأخيرة وقبل رحيلها عام 2012، أبدت وردة صراحة وشجاعة في مراجعة بعض قراراتها؛ حيث أعربت عن ندمها شديد الشغف على تقديم أعمال غنائية موجهة لشخصيات سياسية بعينها، مؤكدة أن “غلطة عمرها” كانت الغناء للرؤساء بدلاً من التفرغ الكامل للغناء للشعوب والقضايا الإنسانية.
ورغم مرور سنوات على رحيلها، تبقى وردة الجزائرية نموذجاً استثنائياً للفنانة التي امتدت حياتها بين ساحات النضال الوطني وأروقة المسارح الكبرى، تاركة أرشيفاً غنائياً خالداً لا يزال يتردد في أرجاء الوطن العربي.

اترك تعليقاً