هل سألت نفسك يوماً، وأنت تحدق في سقف غرفتك في ليلة أثقلها التفكير، لماذا ينجو البعض من الغرق في بئر اليأس بينما يستسلم الآخرون عند أول ركلة من ركلات القدر؟ الإيجابية يا صديقي ليست تلك الابتسامة الصفراء التي نرسمها على وجوهنا أمام كاميرات الهواتف، ولا هي تلك الكلمات المنمقة التي تُلقى في قاعات المحاضرات الباردة، بل هي باختصار شديد: نبض داخلي يخبرك أنك حي، وأن الفجر، مهما تأخر، سيشق ثوب الليل ليعلن عن بداية جديدة، هي طاقة تدفعك لترى في ثقب الإبرة مخرجاً وفي عتمة النفق نوراً بعيداً يراقص خيالك. إنها ليست إنكاراً للواقع المر، بل هي القدرة على تذوق الحلاوة الكامنة في قلب المرارة، والبحث عن اليقين وسط أمواج الشك المتلاطمة التي لا تهدأ.
تأمل معي الشخص العصامي، ذلك الكائن العجيب الذي يبدأ من الصفر، لا، بل ربما يبدأ من تحت الصفر، من القاع السحيق حيث لا مال ولا سند ولا وساطة تفتح له الأبواب المغلقة. العصامية هي روح متمردة ترفض الركوع لليتم أو الفقر أو قلة الحيلة، هي أن تصنع من عظامك سلماً للصعود ومن عرق جبينك وقوداً لمحرك أحلامك الذي لا يعرف التوقف. هل تعرف جارنا القديم “أبا أحمد”؟ ذلك الرجل الذي بدأ ببيع الخردوات في زاوية الشارع الضيقة، كان يحمل أحلامه في صرة بالية، يواجه سخرية المارة وقسوة الشتاء بقلب من حديد، واليوم، حين تمر بجانب مؤسسته الضخمة، تدرك أن العصامي ليس من جمع المال فقط، بل هو من بنى نفسه لبنة لبنة في وقت كان الجميع ينتظرون فيه سقوط الجدار. هو الذي لم يبع روحه للمستحيل، بل جعل المستحيل يعتذر له في نهاية المطاف.
لكن الطريق ليس مفروشاً بالورد. هذا وهم كبير. الحياة ليست نزهة في حديقة هادئة، بل هي معركة مستمرة، والتحديات التي تعترض طريقنا كثيرة وموجعة، فمن تعثر مالي يكسر الظهر، إلى خذلان من ظنناهم أحباباً، إلى فقدان عزيز يترك في القلب ثقباً لا يسده شيء. أحياناً تشعر أن الدنيا تآمرت عليك، وأن كل خطوة تخطوها للأمام يعقبها انزلاق لخطوات خلفاً. هذه المعيقات ليست فخاخاً للموت، بل هي اختبارات للصلابة. الإنسان الذي يطمح للتفوق يجد نفسه دائماً في مواجهة رياح عاتية، فإذا كانت الرياح لا تهب كما تشتهي السفن، فالمشكلة في الشراع وليست في الريح. المعضلة الكبرى ليست في حجم العائق، بل في نظرتنا له، هل نراه جبلاً لا يمكن تسلقه؟ أم نراه صخرة صغيرة يمكن القفز فوقها ببعض الإرادة؟
والأدهى من ذلك كله، هو ذلك الوحش الكامن في أعماقنا: التردد. التردد هو مقصلة الأحلام، هو ذلك الصوت الخفي الذي يهمس في أذنك “ليس الآن”، “ربما غداً”، “ماذا لو فشلت؟”. المتردد يقف دائماً على حافة النهر، يراقب الأمواج وهي تجري، يخشى البلل، يخشى الغرق، فيقضي عمره كله في المشاهدة بينما يعبر الآخرون إلى الضفة الأخرى بجرأة ومغامرة. هذا التردد يقتل الإبداع ويحول الإنسان إلى مجرد نسخة باهتة من نفسه، كأنه خيال ظل يتحرك بلا روح.
فما الحل إذن لنزع هذه الشوكة من حياتنا؟ الحل ليس سحرياً. إنه يبدأ بكلمة واحدة: “القرار”. لا تنتظر اللحظة المثالية، لأنها ببساطة لن تأتي أبداً. الكمال هو عدو الإنجاز، لذا اقفز في الماء وتعلم السباحة وأنت تصارع الموج. ابدأ صغيراً، لكن ابدأ. اكسر حاجز الخوف بفعل الشيء الذي تخشاه. إذا كنت متردداً في بدء مشروع، ضع الخطوة الأولى اليوم، ولو كانت مجرد كتابة فكرة على ورقة. إذا كنت تخشى المواجهة، فواجه نفسك أولاً في المرآة وقل لها إنك تستحق الأفضل. الحل هو أن تعيش الحاضر بكل حواسك، أن تدرك أن الفشل ليس نهاية العالم، بل هو مجرد درس خصوصي دفعنا ثمنه من وقتنا وأعصابنا لنتعلم كيف ننجح في المرة القادمة.
الحياة قصيرة جداً لتقضيها في ممرات الحيرة المظلمة. انظر إلى الأشجار، إنها تفقد أوراقها كل خريف، لكنها لا تتوقف عن الوقوف بشموخ، لأنها تعلم يقيناً أن الربيع سيعيد لها خضرتها. كن كالشجرة. كن كالمطر الذي يسقط على الصخر الأصم حتى يشقه ويخرج منه نباتاً أخضر. الإيجابية هي أن تؤمن بأن في داخلك قوة لا تقهر، وأنك لست مجرد رقم عابر في هذا الكون الفسيح، بل أنت قصة لم تكتمل فصولها بعد، وأنت وحدك من يملك القلم ليكتب الخاتمة التي تليق بك.
الأمر لا يتعلق بما تملكه في جيبك، بل بما تحمله في صدرك من ثبات. الصعاب ستأتي، والريح ستعوي، والظلام سيحاول ابتلاع نورك، لكنك أنت من يقرر: هل تنطفئ أم تشتعل؟ تذكر دائماً أن أجمل الألحان خرجت من أوتار مشدودة حد الانقطاع، وأن الماس لا يتشكل إلا تحت ضغط هائل لا يتحمله بشر. فهل أنت مستعد لتكون ذلك الماس الذي يلمع في كبد العتمة؟ لا تجبني الآن، بل اخرج إلى الشارع، تنفس بعمق، وانظر إلى السماء، وابدأ رحلتك وكأنك ولدت اليوم فقط. هل تشعر بتلك الحرارة في صدرك؟ تلك هي بدايتك الحقيقية. وبالمناسبة، هل فكرت يوماً لماذا لا تمل العصافير من التغريد كل صباح رغم أنها لا تملك قوت يومها؟ ربما لأنها تدرك شيئاً نسيناه نحن في غمرة ركضنا خلف اللاشيء.

اترك تعليقاً