ذهب ترامب للصين لغرضين فقط لا ثالث لهم حرب إيران والحرب التجارية، ولعل الأخيرة كانت الأولوية الرئيسة من الزيارة وهو ما تبدى من وفد رجال الأعمال الكبير المصاحب لترامب للزيارة وعلى رأسهم إيلون ماسك، ونتائج الزيارة المعلنة التي كانت كلها اتفاقات وتفاهمات تجارية متبادلة، أبطلت بدورها مثالب الحرب التجارية بين القوتين.
الحرب التجارية الأمريكية ترمى منذ إطلاقها ترامب في ولايته الأولى الصين في المقام الأول، وهى بإجماع النخبة السياسية والاقتصادية الأمريكية منطقية وعملية وضرورية لخفض العجز التجاري مع الصين، ومن ثم، إعادة توازن القوة الاقتصادية الأمريكية تجاه القوة الاقتصادية للصين، وأيضا، لإضعاف الاقتصاد الصيني نسبياً؛ والدليل على ذلك مواصلة بادين الجرب التجارية على الصين رغم مخالفته لجميع سياسات ترامب.
لكن دائما يكمن الخلاف الداخلي الأمريكي حول سبل وآليه تطبيقها، فالتطبيق العنيف السريع الذي قام به ترامب في الشهور الأولى لولايته الثانية بفرض رسوم جمركية على الصين تجاوز 140%؛ لا يقابل بترحيب واسع حتى من داخل الحزب الجمهوري، إذ أن النهج الهادي المتدرج المصحوب بخطة قوية طويلة الأجل موازية لتنشيط أو عودة التصنيع المحلى أو توطين الصناعة، وتأسيس تحالف عالمي قوى لا سيما لتصنيع أشباه الموصلات وتقنيات الذكاء الصناعي؛ هو النهج ذات الإجماع النسبى الداخلي. وذلك على أساس أن فك الارتباط السريع بالصين أمر شديد الخطورة على الاقتصاد الأمريكي والشركات الأمريكية الداخلية والعاملة في الصين أيضا، كما أن الاقتصاد الأمريكي ليس بذات القوة لمنافسة الاقتصاد الصيني عالميا في الوقت الراهن.
تصور ترامب أن النهج السريع العنيف تجاه الصين سيجبرها على الفور على تقديم عدة تنازلات، أو يضعف اقتصادها على نحو عام لأنها أكبر مصدر للسوق الأمريكي. لكنها قد تفأجى على الفور برد صيني مقابل تمحور حول منع شراء المنتجات الزراعية الصينية واللحوم خاصة “الفول الصويا”، ومنع تصدير المعادن النادرة التي تسيطر على 90% من إنتاجها إلى الولايات المتحدة، وفرض تعريفات جمركية مماثلة على المنتجات الأمريكية. وكانت النتيجة المباشرة السريعة ارتفاع التضخم لمعدلات كبيرة داخل الولايات المتحدة، شلل في حركة تصدير المنتجات الزراعية للصين واغلب من تضرر هو من القاعدة الريفية الشعبوية لترامب، توقف إنتاج الكثير من المنتجات التكنولوجية، ركود في مبيعات شركات التكنولوجيا الأمريكية العاملة في الصين وخارجها لأن أغلب إنتاجها يذهب إلى السوق الأمريكي.
وعلى الجانب الآخر، قد تضرر الاقتصاد الصيني نسبياً لكن لم يضعف كما تصور ترامب، لأن حجم الارتباط العالمي للاقتصاد الصيني مأهول، وله القدرة على امتصاص الصدمات، وتعويض السوق الأمريكي بسهولة. وبالتالي، فخسائر الاقتصاد الأمريكي فادحة بجميع المقاييس، بينما خسائر الصين لا تذكر.
وجاءت حرب إيران لتزيد من الطين بلة على الاقتصاد الأمريكي حيث تضاعف معدل التضخم مع ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، يضاف إلى خسائر الشركات الأمريكية الواسعة لا سيما شركات الشحن. ولعل ترامب قد أدرك سريعا بعد حرب التعريفات مع الصين أن حساباته كانت خاطئة تماماً، لكن ربما قد ترسخت قناعته بذلك بعد حرب إيران والتي هددت شعبيته ومن ثم فرص نجاح الحزب الجمهوري لدى قاعدته الانتخابية البيضاء، ونخبة رجال الأعمال التي ينتمى لها ترامب وتدعمه بشدة ويعمل على ضمان مصالحها.
في نهاية زيارة ترامب للصين، تم الإعلان على اتفاق لشراء الصين لمنتجات زراعية وطائرات مدنية وطاقة..وغيرها، نظير موافقة الصين على بيع موارد نادرة للولايات المتحدة، والسماح للشركات الأمريكية لتصدير مكونات تصنيع تكنولوجية للصين. ويعنى ذلك إعلان الطرفين بصورة ضمنية عن فشل الحرب التجارية بينهما، تمهيدا لاتفاق آخر مرتقب لخفض متبادل للتعريفات الجمركية.
وربما يقرأ البعض أن ما فعله ترامب مجرد تكتيك مهادنة وليس نهاية قاطعة للحرب التجارية ولعل ذلك وارداً؛ لكن ما هو مؤكد أن تلك المهادنة ستستمر طويلاً وبالأخص في ظل احتياج الشركات الأمريكية الماس للموارد النادرة، وما هو اكثر تأكيداً ومترتب على ما سبق، أن نهج الحرب التجارية العنيف تجاه الصين قد أثبت فشله الذريع، ولن تضطلع به أية إدارة أمريكية قادمة؛ إذ أن فك الارتباط التام بالصين كارثي، ويستلزم برنامج طويل الأمد مدرس بعناية لتوطين الصناعة الأمريكية خاصة التكنولوجية، واقتصاد شديد الصلابة وبنية اقتصادية إنتاجية شبه شاملة، وعوامل شديدة القوة لاستمرار قوة الدولار، وانخراط عالمي مدعوم حكوميا للاقتصاد الأمريكي، وتحالف قوى للهيمنة على المواد النادرة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وكل ذلك يستلزم عقوداً.
وفى نهاية المطاف أيضا، قد يؤدى ذلك إلى تعديل ميزان القوة الاقتصادية لأمريكا تجاه الصين، لكن لن يؤدى بأي حال من الأحوال إلى تقويض الاقتصاد الصيني؛ الذي تقوى وتوسع بصورة مأهولة في ظل العولمة والاقتصاد النيوليبرالى وقواعد منظمة التجارة العالمية الذي دعمته واشنطن بقوة، واستفاد منه فقط الشركات الأمريكية العملاقة.

اترك تعليقاً