هلال التجدد: ماذا نستلهم من ذكرى الهجرة النبوية الشريفة؟

بقلم/ سحر مهني

 

مع إشراقة أول أيام شهر المحرم، تهبّ على الأمة الإسلامية نفحات ذكية تحمل معها أريج ذكرى عطرة غيّرت مجرى التاريخ الإنساني؛ إنها ذكرى الهجرة النبوية الشريفة ورأس السنة الهجرية الجديدة. هذه المناسبة ليست مجرد ورقة تُطوى من تقويم الزمن، أو حدثٍ تاريخي غابر نكتفي باستذكار تفاصيله، بل هي محطة سنوية متجددة للتأمل، ومدرسة حية تفيض بالدروس والعِبر التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى.

فماذا نستلهم من هذه الذكرى العظيمة في واقعنا المعاصر؟

1. التخطيط والأخذ بالأسباب.. درس في الإدارة والقيادة

رغم أن الهجرة كانت أمراً إلهياً، ورغم اليقين التام بنصر الله، إلا أن الرسول الكريم ﷺ قدم لنا درساً بليغاً في الأخذ بالأسباب والتخطيط المُحكم. لم تكن الهجرة عشوائية، بل رُسمت لها خطة دقيقة:

توزيع الأدوار: من المبيت في الفراش (علي بن أبي طالب)، إلى تأمين التموين (أسماء بنت أبي بكر)، واستكشاف الطرق (عبد الله بن أريقط).

السرية التامة وتغيير الاتجاه: للتمويه على المطاردين.

الاستلهام المعاصر: النجاح في الحياة، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات، لا يتحقق بالأمنيات والمصادفات، بل بالعمل الجاد، والتخطيط العلمي، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

2. الأمل وحسن الظن بالله في أحلك الظروف

جسدت الهجرة ذروة التوكل على الله والثبات في مواجهة الأزمات. وتتجلى هذه القيمة في اللحظة الحرجة التي وقف فيها المشركون على باب الغار، لينطق لسان النبوة بكلمات خلدها القرآن: “ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا”.

تحويل المحنة إلى منحة: الخروج من مكة (الوطن والأهل) كان مؤلماً، لكنه كان البداية لتأسيس حضارة عالمية.

مرونة التغيير: البحث عن بيئة جديدة عندما تضيق الظروف الحالية.

3. بناء الأوطان على أسس التعايش والمواطنة

لم يكد الاستقرار يتحقق في المدينة المنورة حتى بدأ الرسول ﷺ بإرساء قواعد الدولة الجديدة، ولم تكن هذه القواعد إقصائية، بل ركزت على:

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: لإذابة الفوارق الطبقية والقبلية وتحقيق التكافل الاجتماعي.

وثيقة المدينة: التي تعد أول دستور مدني في التاريخ يرسخ قيم المواطنة، والتعايش السلمي، وحرية الاعتقاد بين مختلف مكونات المجتمع (مسلمين ويهود وقبائل أخرى).

الاستلهام المعاصر: لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض دون وحدة وطنية، وقبول للآخر، وإعلاء مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة.

4. الهجرة الروحية.. هجر الذنوب والكسل

لعل أعمق ما يمكن أن يستلهمه المسلم اليوم في حياته اليومية هو الفهم القيمي للهجرة، كما لخصه الرسول ﷺ في الحديث الشريف: “والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ”.

هجرة الكسل إلى العمل والإنتاج.

هجرة الإحباط واليأس إلى الأمل والتفاؤل.

هجرة الخلافات والشحناء إلى التسامح والمحبة.

خاتمة: بداية جديدة لعام جديد

إن ذكرى رأس السنة الهجرية هي دعوة مفتوحة لإعادة ترتيب الأوراق، ومراجعة الحسابات الذاتية والمجتمعية. إنها فرصة لنهاجر من كل ما يعيق تقدمنا وفكرنا، وننطلق نحو آفاق أرحب من البناء والعطاء.

كل عام والأمة الإسلامية والعالم أجمع بخير وأمن وسلام، عسى أن يكون هذا العام الهجري الجديد فاتحة خير وبركة وتجدد للجميع.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *