تتراءى للمناظر في كنه الوجود سيرورة الأيام حقيقةٌ أزلية، مفادها أن الكون بأسره يقوم على ميزانٍ دقيق لا يميل ولا يضطرب، وهو ميزان الأخذ والعطاء. إن هذه الثنائية ليست مجرد فعل مادي متبادل، بل هي النبض الذي يتدفق في عروق الحضارة الإنسانية، والناموس الذي يحكم العلاقات بين الكائنات والمجتمعات على حد سواء، وحين نتأمل في تجليات هذا المبدأ، نجد أن كل ركن من أركان الأرض ينطق بلغة التبادل؛ فالأرض التي تمنحنا الثمار لا تفعل ذلك إلا بعد أن تأخذ من السماء غيثها ومن الفلاح عَرَقه، والشمس التي تمدنا بالضياء تأخذ من تفاعلاتها الداخلية طاقةً لتبثها في الآفاق.
إن فلسفة الأخذ والعطاء في سياقها الإنساني والاجتماعي تعد الركيزة الأساسية لاستدامة الحياة الكريمة. فلا يمكن لمجتمع أن ينهض إذا ساد فيه منطق الأخذ دون مقابل، أو استشرت فيه روح الأنانية التي لا ترى إلا ذواتها. إن العطاء في جوهره هو استثمار بعيد المدى في النفس البشرية، إذ إنه يعيد صياغة الروابط الاجتماعية ويحولها من مجرد تكتلات مصلحية إلى بنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً. وعندما يدرك الفرد أن ما يقدمه من جهد، أو فكر، أو مال، ليس ضياعاً لثروته بل هو إغناء لمحيطه الذي يعيش فيه، فإنه بذلك يضع اللبنة الأولى في جدار الأمن الاجتماعي الشامل.
وعلى صعيد الفكر والتنمية البشرية، يبرز العطاء كأعلى مراتب الرقي الإنساني. فالعلماء المفكرون الذين أفنوا أعمارهم في البحث والتقصي لم يكونوا يبتغون مجرد كنز المعلومات، بل كان دافعهم الأسمى هو منح البشرية مفاتيح المعرفة وسبل الرشاد. وهذا العطاء المعرفي هو الذي يولد الأخذ المستقبلي؛ إذ تقتبس الأجيال القادمة أنوارهم لتبني صروحاً جديدة. إنها دورةٌ لا تنتهي من التدفق القيمي والمعرفي الذي يحفظ للجنس البشري تميزه وتفوقه. فكلما زاد عطاء الأمة من نتاجها الفكري، زاد أخذها من الاحترام والتقدير في المحافل العالمية، وترسخت مكانتها كقائدة للركب الحضاري.
وفي الجانب النفسي والسلوكي، يظهر التوازن بين الأخذ والعطاء كشرط أساسي للصحة النفسية والاتزان الوجداني. إن الشخص الذي يحترف الأخذ دون أن يتعلم فن العطاء غالباً ما ينتهي به الأمر في عزلةٍ شعورية، مهما بلغت مقتنياته المادية، لأن الاكتناز دون تدفق يورث الركود والفساد كما هو حال الماء الآسن. أما أولئك الذين يقتنون فن العطاء الصادق، فيجدون في داخلهم طمأنينةً لا تشترى بالمال، ويستشعرون قيمة وجودهم من خلال الأثر الذي يتركونه في حيوات الآخرين. بيد أن الحكمة تقتضي أيضاً أن يتعلم المرء كيف يأخذ، ليس من باب الطمع، بل من باب السماح للدورة الحيوية أن تكتمل؛ فالاعتزاز بالنفس لا يعني رفض يد العون، بل يعني تقدير قيمة التبادل الإنساني النبيل.
وإذا ما انتقلنا إلى المنظومة المهنية والمؤسسية، فإننا نجد أن نجاح أي كيان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى رسوخ هذا المبدأ في ثقافته التنظيمية. المؤسسية التي تعطي موظفيها التقدير والبيئة المحفزة والتدريب المستمر، هي التي تأخذ منهم في المقابل الإبداع والولاء والإتقان. إنها معادلةٌ رياضية في لبها، إنسانيةٌ في مظهرها. فالعلاقة بين صاحب العمل والعامل لا يجب أن تظل محبوسة في إطار التعاقد المادي الجاف، بل يجب أ، ترتقي لتكون شراكةً في العطاء من أجل تحقيق مستهدفات عليا تعود بالنفع على المجتمع ككل. فكلما ترفعت هذه العلاقة عن دائرة الاستغلال، اقتربت من دائرة الازدهار والإنتاجية العالية.
إن المتتبع لتاريخ الأمم يدرك يقيناً أن تلك الحضارات التي سقطت، كانت تلك التي غلبت فيها شهوة الأخذ على فضيلة العطاء. وحين تصبح الموارد حكراً على فئةٍ تأخذ كل شيء ولا تعطي إلا القليل، يختل ميزان العدالة وتتداعى أركان الاستقرار. لذا، فإن ترسيخ ثقافة العطاء التطوعي والمبادرات المجتمعية يمثل صمام أمان للدول. إن العطاء الذي نتحدث عنه هنا ليس محصوراً في الصدقات المالية فحسب، بل يشمل عطاء الوقت، والخبرة، والكلمة الطيبة، والموقف الشجاع. فالمجتمع الذي يتنافس أفراده في تقديم ما لديهم من نفع لغيرهم هو مجتمعٌ عصيٌ على الانكسار، وقادرٌ على مواجهة التحديات مهما عظمت.
علاوة على ذلك، فإن الطبيعة القيادية تفرض على من يتصدى للمسؤولية أن يكون قدوة في العطاء قبل أن يطلب من الآخرين الولاء. فالقيادة الحقة هي بذلٌ وتضحية، وهي قدرةٌ على تجريد الذات من الأهواء الشخصية لصالح المنفعة العامة. وعندما يرى المرؤوسون أن قائدهم يعطي من قته وجهده وفكره أكثر مما يأخذ ممن امتيازات، فإنهم يندفعون تلقائياً نحو العطاء اللامحدود. هكذا تبنى المؤسسات العظيمة، وهكذا تنهض الدول التي تطمح لتعزيز سيادتها وريادتها في عالمٍ لا يعترف إلا بالأقوياء الذين يمتلكون زمام المبادرة.
في سياق العلاقات الدولية، يتجلى مبدأ الأخذ والعطاء كضرورة حتمية لإرساء السلام العالمي. إن المتعاون بين الدول القائم على المصالح المتبادلة والتبادل التجاري والثقافي العادل هو البديل الوحيد للنزاعات والحروب. فالدولة التي تعطي جيرانها الأمان والتعاون الاقتصادي، تأخذ منهم الاستقرار والنمو المشترك. إن العالم اليوم، في ظل التشابك الوثيق بين المصالح، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تغليب منطق “الربح للجميع” بدلاً من منطق “الاستحواذ المنفرد”. وهذا يتطلب رؤيةً ثاقبة تدرك أن خير الجزء من خير الكل، وأن حرمان الآخرين من حقهم في العيش والارتقاء سيعود بالضرر حتماً على الجميع.
إن التربية على قيم الأخذ والعطاء يجب أن تبدأ من المحضن الأول وهو الأسرة، حيث يتعلم الطفل أن الحياة ليست طلبات مجابة، بل هي مشاركة ومسؤولية. فعندما ينشأ الفرد على حب المساعدة وتقدير ما يقدمه الآخرون له، فإنه يصبح عنصراً فاعلاً وإيجابياً في مجتمعه. إن الاجبال التي تدرك قيمة اليد المعطاة واليد الشاكرة هي التي ستصوغ مستقبل الأمة بروح من التفاؤل والعمل الدؤوب. فالعطاء يبني الشخصية، ويهذب النفس، ويغرس في الوجدان معنى التواضع والرفعة في آن واحد.
وختاماً لهذا الطرح، يتضح لنا أن الحياة في أسمى صورها هي تجسيدٌ لتلك الدورة الخالدة من الأخذ والعطاء. إنه الطريق الذي سلكه العظماء، والنهج الذي قامت عليه الشرائع والشرائع الوضعية السامية. ليس العطاء مجرد فعل كرم، بل هو واجبٌ أخلاقي وضرورةٌ وجودية. وليس الأخذ عيباً، بل هو حقٌ يكتسب بالعمل والاستحقاق. فإذا استطاع الإنسان أن يقيم هذا التوازن في حياته الخاصة، وفي تعامله مع محيطه، فإنه بلا شك سيصل إلى مرحلة من التصالح مع الذات والانسجام مع الكون. إننا نأخذ لنحيا، ولكننا نعطي لنصنع حياةً تستحق أن تعاش. فليكن عطاؤنا بحجم آمالنا، وليكن أخذنا بقدر احتياجنا، وبينهما تكمن الحكمة التي تنير الدروب وتصنع الأمجاد. إن الأيام دول، ومن بذل اليوم حصد غداً، ومن بخل على الحياة بجهده، بخلت عليه الحياة بثمارها، فلا بقاء لشيء لا ينمو، ولا نمو لشيء لا يعطي من ذاته لأجل غيره.

اترك تعليقاً