تشخيص خاطئ قد يؤدى الى الوفاة

صافيناز زادة :

🛑 “دم لونه أبيض زي الكريمة؟! والحقيقة اللي استخبت ورا ‘شماعة’ جرثومة المعدة شهور!” 
“يا دكتور أنا بقيت بخاف من اللقمة.. الوجع مبيسيبنيش ،بالذات لما باكل ببقى حاسس أكن سكاكين بتقطع في أحشائي!”.. الجملة دي كانت صرخة شاب في الـ ٣٥ من عمره، دخل عيادتي وهو شايل في إيده “شوال” أدوية ملوش آخر، وشه مطفي تماماً، وعينيه غايرة كأنه نسي طعم النوم من سنين.. المريض ده مكنش بيشكي من مغص عادي، ده كان بيوصف “نار” قايدة في فم المعدة ومسّمعة في ظهره لدرجة الانحناء! 😰
الغريب إن كل الدكاترة اللي زارهم مسكوا في ورقة واحدة: (تحليل جرثومة المعدة – H. Pylori – إيجابي).. الكل قاله “هي دي الجانية”، و بالفعل أخد كورسات مضادات حيوية، والجرثومة ماتت وانتهت لكن الألم لسه قايد! وحتى “منظار المعدة” أظهر التهابات بسيطة لا تفسر أبداً هذا الأنين.

هنا وقفت وقفة “محقق”، وسألت نفسي: ليه الوجع بيزيد مع الأكل وخاصة الدهون؟ وليه بيسمّع في الظهر؟ بدأت أفكر في اللي مستخبي ورا المعدة.. “البنكرياس”
بالسونار مش باين أوي وجود مشكله في البنكرياس
فطلبت أشعة مقطعية بالصبغة (CT with Contrast) على البطن،
لما بصيت في الأشعة المقطعية اللي عملها المريض، لقيت البنكرياس فيه تورم بسيط جداً، لا يفسر أبداً حالة “الانهيار” اللي المريض فيها.. مفيش حصوات في المرارة، مفيش التهاب حاد في البنكرياس يستدعي عناية مركزة، ومفيش تليف كامل.. إحنا في منطقة رمادية جداً!
هنا بدأت خيوط التشخيص تتجمع في دماغي.. فيه حالة في المراجع الطبية بنسميها
Subacute Smoldering Pancreatitis.. أو “الالتهاب المشتعل ببطء”.. ده نوع من الالتهاب مابينفجرش مرة واحدة، لكنه بيفضل “يهري” في نسيج البنكرياس لأسابيع وشهور.. بس السؤال اللي كان هيجنني: “إيه البنزين اللي مخلي الحريقة دي قايدة كل ده ومش راضية تنطفي؟” 🤔
استبعدت كل الأسباب، لحد ما وصلت لاحتمال صعب حد يشك فيه .. قلت للمريض: “أنا عايزك تعملي تحليل دهون كامل (Lipid Profile) حالاً، ومن غير ما تستنى للصبح!”.. المريض استغرب وقالي: “دهون إيه يا دكتور أنا أصلاً مباكلش وجسمي مش تخين وخاسس الفترة اللي فاتت ١٠ كيلو!”.. قلتله: “اسمع كلامي، السر هنا!”
ساعة واحدة والمعمل كلمني: “يا دكتور.. إحنا سحبنا العينة، الدم لونه مش أحمر! الدم لونه أبيض كريمي (milky serum)، لدرجة إننا افتكرنا العينة حصل فيها خطأ.. من كتر لزوجة الدهون!”
“مش أحمر… مش وردي… لكن أبيض زي اللبن المُركّز.”
هنا اللغز اتفك تماماً.. المريض عنده حالة وراثية خلت الدهون الثلاثية (Triglycerides) في دمه تتخطى حاجز ال ١٠٠٠! (متخيلين إن الطبيعي تحت الـ ١٥٠؟).. الدهون دي من كتر ما هي عالية، حولت دمه لـ “سائل تقيل” بيسد الشعيرات الدموية اللي بتغذي البنكرياس، والبنكرياس المسكين بيحاول يدافع عن نفسه فبيفرز إنزيمات بتهضم في نسيجه هو! 🔥
المريض في الحقيقة ماكنش سبب شكواه الحقيقي هو الجرثومة، الجرثومة كانت مجرد “ستار” خبيث خدع اللي شافوه قبلي..

طيب إزاي طفينا الحريقة دي طبياً؟ البروتوكول كان دقيق جداً:
* الصيام التام للأمعاء (Bowel Rest): في المرحلة الحادة، منعنا الطعام تماماً لتقليل إفراز إنزيمات البنكرياس الهاضمة، مع تعويض الجسم بسوائل وريدية مكثفة جداً (Aggressive Hydration) للحفاظ على التروية الدموية ومنع الفشل الكلوي.
* بروتوكول الـ (Fibrates): بدأنا أدوية من عائلة “الفايبريت” بجرعات عالية لتحفيز الكبد على التخلص من الدهون ومنع تصنيعها مجدداً، مع منع تام للدهون المشبعة في النظام الغذائي للأبد.

* في بعض الحالات بنحتاج حاجه إسمها غسيل البلازما (Plasmapheresis) بس في المريض ده الحمد لله استجاب على العلاج من غير ما نحتاج غسيل البلازما: لما الدهون بتتخطى حاجز الـ ١٠٠٠، بنلجأ أحياناََ لعملية “تبادل البلازما” لسحب هذه الدهون ميكانيكياً من الدم، ودي أسرع طريقة لإنقاذ البنكرياس من التآكل في بعض الحالات.
المريض جالي بعد أسبوعين والضحكة رجعت لوشه، وقالي: “يا دكتور أنا لأول مرة من شهور آكل وبطني تفضل مستريحه!”..
بفضل الله، انطفت النار اللي مكنش حد عارف يطفيها. ❤️
الدرس المستفاد: التشخيص مش مجرد ورقة تحليل طلعت إيجابية.. التشخيص هو إنك تدور ورا “السبب اللي ورا السبب”..
ماتسمحش لحد يقنعك إن وجعك وهم لمجرد إن الإشاعة سليمة.. أحياناً الحقيقة بتكون مستخبية ورا ستار محتاجة عين بتدور على الحقيقة مش على التشخيص السهل!
تفتكروا كام مريض دلوقتي بيتعالج من “قولون” أو “جرثومة” وهو جسمه بيصرخ من كارثة تانية خالص؟ ⁉️

د/ أحمد عبد الجواد

 

 

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *