كتب محمد ابراهيم
منذ تأسيس أولى بعثاتها في الشرق الأوسط عام 1948، واصلت الأمم المتحدة تطوير عمليات حفظ السلام لتواكب تعقيدات النزاعات حول العالم. وعلى مدار أكثر من سبعين عامًا، تحولت هذه العمليات من مهام مراقبة محدودة إلى جهود متعددة الأبعاد تسعى لحماية المدنيين وتعزيز الاستقرار وبناء السلام المستدام، رغم ما يحيط بها من مخاطر وتحديات متزايدة.
بدأت الأمم المتحدة جهودها في حفظ السلام بإرسال مجموعة صغيرة من المراقبين العسكريين إلى الشرق الأوسط لتشكيل هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (يونتسو)، بهدف الإشراف على اتفاقات الهدنة بين إسرائيل وجيرانها العرب. ومنذ ذلك الحين، توسعت هذه الجهود بشكل كبير، حيث خدم أكثر من مليون رجل وامرأة تحت راية الأمم المتحدة في نحو 70 عملية حفظ سلام عبر العالم.
وفي الوقت الراهن، يشارك أكثر من 100 ألف عنصر من العسكريين والشرطة والمدنيين، ينتمون إلى 125 دولة، في 14 مهمة لحفظ السلام، مما يعكس الطابع الدولي الواسع لهذه العمليات. وقد أصبحت قوات “الخوذات الزرقاء” رمزًا عالميًا للأمل، خاصة لدى الفئات الأكثر ضعفًا، بفضل ما تقدمه من تضحيات في ظروف غالبًا ما تكون قاسية وخطرة.
في بداياتها، كانت مهام حفظ السلام تركز بشكل أساسي على مراقبة وقف إطلاق النار والحفاظ على الاستقرار الميداني، تمهيدًا لإيجاد حلول سياسية للنزاعات. وكانت هذه البعثات تتألف من مراقبين عسكريين وقوات خفيفة التسليح، تضطلع بمهام الرصد وبناء الثقة بين الأطراف المتنازعة.
لكن مع تغير طبيعة النزاعات، تطورت عمليات حفظ السلام لتصبح أكثر شمولًا وتعقيدًا. فلم تعد تقتصر على حفظ الأمن فقط، بل باتت تشمل دعم العمليات السياسية، وحماية المدنيين، ونزع سلاح المقاتلين السابقين، والمساهمة في تنظيم الانتخابات، وتعزيز حقوق الإنسان، إضافة إلى دعم سيادة القانون.
ورغم أن العسكريين والشرطة يشكلون النسبة الأكبر من عناصر حفظ السلام، فإن المدنيين يمثلون نحو 14% من إجمالي العاملين، ويؤدون أدوارًا حيوية في مجالات متعددة، مثل الشؤون السياسية وحقوق الإنسان والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والخدمات اللوجستية والإدارة.
كما شهدت مشاركة النساء في عمليات حفظ السلام تزايدًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، حيث أصبحن يشغلن أدوارًا متنوعة، تشمل العمل كضابطات شرطة، وجنديات، وطيارات، ومراقبات عسكريات، إضافة إلى تولي مناصب قيادية، مما أسهم في تحسين أداء البعثات وتعزيز فعاليتها.
ورغم هذا الدور المتنامي، لا تزال عمليات حفظ السلام تواجه تحديات جسيمة، خاصة في البيئات الأكثر اضطرابًا في العالم. فمنذ عام 1948، فقد أكثر من 3500 من حفظة السلام حياتهم أثناء أداء مهامهم، بينهم 943 قضوا نتيجة أعمال عنف. وتشير البيانات إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد الضحايا خلال السنوات الأخيرة، حيث سُجل مقتل 195 فردًا في هجمات عنيفة منذ عام 2013، وهو أعلى معدل خلال فترة خمس سنوات في تاريخ الأمم المتحدة.
وتؤكد هذه الأرقام حجم التضحيات التي يقدمها حفظة السلام، في وقت تستمر فيه الأمم المتحدة في السعي لتعزيز فعالية عملياتها، وضمان قدرتها على الاستجابة للتحديات المتغيرة، وتحقيق هدفها الأساسي: حفظ السلام وصون الكرامة الإنسانية حول العالم.

اترك تعليقاً