البلطجة الإدارية: حين يُتجاوز القرار وتُعطَّل المشروعية

 

 

المعاهد القومية مالٌ عام، أصوله مملوكة للدولة، وإدارته مقيدة بالقانون واللوائح، لا بالأهواء ولا بتقديرات أشخاص. وقد رسّخ هذا المعنى تاريخ التأميم في عهد جمال عبد الناصر، كما أكدت المادة 119 مكرر من قانون العقوبات المصري أن الأموال المخصصة للنفع العام تأخذ حكم المال العام، فلا تُدار بعقلية الملكية الخاصة.

العاملون في هذه المدارس تحكمهم نصوص واضحة، وفي مقدمتها قانون العمل المصري رقم 14 لسنة 2025 الذي نظم علاقة العمل ومنع الفصل التعسفي، ووضع إجراءات محددة للمساءلة. وبذلك تكون سلطة أي مجلس إدارة سلطةً تنظيمية مقيدة، لا مطلقة، ومرتبطة دائمًا باحترام قرارات الجهة الإدارية المختصة.

غير أن ما حدث مع الأستاذة نيهال سامى داخل كلية النصر بالمعادي يطرح تساؤلًا خطيرًا: كيف يُمنع مُعلّم من التوقيع ومباشرة عمله رغم صدور قرار وزاري بعودته؟ وكيف يُتعامل مع قرار رسمي صادر عن السلطة المختصة وكأنه أمرٌ قابل للتجاهل؟

هذه الواقعة لا تمس شخصًا بعينه بقدر ما تكشف خللًا في مفهوم المشروعية داخل بعض الإدارات؛ إذ يبدو وكأن قرارات الوزارة يمكن الالتفاف عليها، وكأن بعض مجالس الإدارات وضعت نفسها فوق السلطة الإدارية التي تُشرف عليها. وهذا انحرافٌ إداري واضح، لأن الإدارة في جوهرها التزامٌ بالقانون قبل أن تكون ممارسة للسلطة.

إن استمرار مثل هذه الوقائع دون حسمٍ سريع يخلق بيئةً يتوهم فيها البعض أنهم بمنأى عن المساءلة، ويُضعف ثقة العاملين في الحماية القانونية التي كفلها لهم المشرّع. لذلك فإن تفعيل الرقابة، وخضوع هذه المدارس لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، وحسم الشؤون القانونية لمثل هذه القرارات، لم يعد خيارًا بل ضرورة.

القضية هنا ليست شخصية، بل مبدأ: هل تظل اللوائح حبرًا على ورق؟ أم تُستعاد هيبة القرار الإداري وتُحترم سيادة القانون داخل مؤسسات تُدار بمالٍ عام؟

إن احترام القرار الوزاري، وتمكين الأستاذة نيهال سامى من مباشرة عملها، ليس مجرد إنصافٍ لفرد، بل تأكيدٌ على أن المعاهد القومية تُدار بالقانون… لا بالأشخاص و الأهواء.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *