قد يبدو العنوان صادمًا للوهلة الأولى، وربما يراه البعض مجرد طرح تشويقي، خاصة في ظل ما تعانيه مصر من تداعيات اقتصادية واضحة نتيجة الحرب، مثل ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يجعلها – ظاهريًا – ضمن الدول المتضررة.
لكن، عفواً، هذا التصور ليس دقيقًا بالكامل.
صحيح أن الخسائر الاقتصادية حاضرة، لكنها تبقى قابلة للتعويض على المدى المتوسط والطويل، حتى وإن كان ذلك بتكلفة مرتفعة. أما المكاسب الاستراتيجية، فهي من النوع الذي لا يُشترى ولا يُعوَّض بسهولة.
إذا نظرنا إلى المشهد من زاوية استراتيجية أوسع، سنجد أن مصر قد تكون من أبرز المستفيدين من هذه الحرب، وذلك لعدة اعتبارات:
أولًا:
تواجه مصر تحديات إقليمية من قوى لديها طموحات توسعية وأدوار مؤثرة في محيطها، مثل إسرائيل وإيران. وبغض النظر عن نتائج الصراع، فإن ما حدث أدى إلى استنزاف نسبي لقدرات هذه الأطراف، وهو ما قد يمنح مصر مساحة زمنية أكبر لإعادة ترتيب أولوياتها وتعزيز أمنها القومي.
ثانيًا:
سياسيًا، برزت مصر كواحدة من أكثر الدول استقرارًا في منطقة مضطربة. فقد نجحت في تجنب الانخراط المباشر في الصراع، وحافظت على توازن دقيق في مواقفها، وهو ما يعزز من مكانتها الإقليمية والدولية كدولة محورية قادرة على لعب أدوار دبلوماسية مهمة.
ثالثًا:
عسكريًا، قد تكون هذه هي المكسب الأهم. فالحروب الحديثة لا تُكسب فقط بالسلاح، بل بالمعلومة. وما أتاحته هذه الحرب من كشف عملي لقدرات الأطراف المختلفة – من تكتيكات القتال، وأنظمة الدفاع، وأساليب الخداع، إلى مدى التماسك الداخلي والتحالفات – يمثل كنزًا استراتيجيًا.
هذه المعطيات كانت ستتطلب سنوات طويلة وتكلفة هائلة للحصول عليها عبر المواجهة المباشرة، لكن الواقع قدمها لمصر دون أن تخوض حربًا أو تتحمل خسائر بشرية أو استنزافًا اقتصاديًا مباشرًا.
وفي الختام برغم هذه المكاسب الاستراتيجية المحتملة، تظل مصر – كغيرها من الدول – معنية بوقف الحرب في أسرع وقت ممكن، لما تحمله من تهديدات للاستقرار الإقليمي والدولي. لكن قراءة المشهد بعمق تكشف أن ما يبدو خسارة في الظاهر، قد يحمل في طياته مكاسب أكبر على المدى البعيد

اترك تعليقاً