بقلم: سحر مهني
في عالم يتسارع فيه القلق وتتلاحق الخيبات، تبرز القصة التراثية الشهيرة للملك ووزيره الحكيم كمنارة أخلاقية تذكرنا بأن ما نراه شراً في ظاهره، قد يحمل في طياته نجاةً لم نكن نحلم بها. تبدأ الحكاية بجرح بسيط في إصبع الملك، وتنتهي بنجاة من موت محقق، وبينهما كلمة واحدة كانت هي مفتاح النجاة: “لعله خير”.
المشهد الأول: الألم الذي لم يفهمه الملك
بينما كان الملك يمارس هواية الصيد، تعرّض لحادث أدى إلى جرح بليغ في إصبعه. وبدلاً من المواساة التقليدية، نطق وزيره الحكيم بجملته المعتادة: “لعله خير يا مولاي”. استشاط الملك غضباً؛ فكيف يكون الألم والنزف خيراً؟ وفي لحظة طيش وانفعال، أمر بإلقاء الوزير في غياهب السجن، ليرد الوزير بهدوء غريب وهو يُساق للأغلال: “ولعله خير أيضاً”.
المشهد الثاني: حين أنقذت “العلة” صاحبها
مرت الأيام، وخرج الملك للصيد وحيداً، ليقع أسيراً في يد قبيلة غامضة كانت تبحث عن “قربان بشري” لتقديمه لآلهتها. وبعد فحص دقيق للملك، قرر كاهن القبيلة إخلاء سبيله فوراً! والسبب؟ أن عقيدتهم تمنع تقديم قربان “ناقص” أو به جرح. عاد الملك إلى قصره يهرول، مدركاً أن ذلك الجرح الذي لعنه يوماً كان هو “تأشيرة خروجه” من الموت.
المشهد الثالث: حكمة السجن
أمر الملك بإحضار الوزير من سجنه واعتذر له، ثم سأله: “لقد فهمت خير جرحي، فما كان خير سجنك؟” فأجابه الوزير بابتسامة الواثق: “يا مولاي، لو لم أكن في السجن لكنت معك في الصيد، ولأنني سليم الجسد، لكانت القبيلة قد اختارتني أنا كقربان بدلاً منك!”.
العبرة المستخلصة: ما وراء الستار
تضعنا هذه القصة أمام ثلاث حقائق كبرى تغير نظرتنا للحياة:
محدودية الرؤية البشرية: الإنسان يرى الجزء (الألم الحالي)، بينما الله يرى الكل (النجاة المستقبلية). نحن نحكم على الكتاب من صفحة واحدة، بينما القصة لا تزال مستمرة.
قوة الكلمة الإيجابية: “لعله خير” ليست مجرد جملة، بل هي درع نفسيّ يمنع الانهيار وقت الأزمات، ويحول الطاقة السلبية إلى انتظار إيجابي للفرج.
الرضا هو الذكاء الحقيقي: الوزير لم يكن سلبياً، بل كان يدرك أن القلق لن يغير القدر، لكن الرضا سيغير طريقة تعامله مع القدر حتى يمر.
ختاماً، إن “لعله خير” هي دعوة لكل من ضاقت به السبل أو فقد فرصة كان يتمناها؛ فربما كان “المنع” هو عين “العطاء”، وربما كان الجرح الذي يؤلمك اليوم هو نفسه الذي سيحميك غداً من خطر أكبر لا تراه.

اترك تعليقاً