في قلب العاصمة الأردنية عمان وعلى مقربة من ضوضاء الحياة اليومية. يقع واحد من أقدم المواقع الأثرية في الشرق الأوسط وهو موقع عين غزال الذي يشكل نافذة استثنائية على تاريخ البشرية في مرحلة ما قبل التاريخ. وهذا الموقع لا يعد مجرد موقع أثري بل حكاية عمرها نحو 9 آلاف عام. قصة تحول الإنسان من صائد وجامع إلى مستقرّ مجتمعي وزارع وهي فترة مفصلية في التاريخ البشري.
موقع عين غزال الأردنية
يقع الموقع على ضفة وادي الزرقاء بالقرب من مطار عمان المدني. ويعود إلى العصر النيوليتي الحديث المبكر، حيث عاش فيه سكان في القرن الثامن قبل الميلاد. لكن ما يميز عين غزال ليس فقط قدمه بل الآثار البشرية المكتشفة فيه خاصة التمثالين الضخمين اللذين اكتشفا هناك. واللذان يعتبران من أقدم التماثيل البشرية الكبرى التي عثر عليها في المنطقة. لقد ألقت هذه التماثيل والموقع ككل ضوءًا جديدًا على فهم المجتمعات البشرية المبكرة في بلاد الشام.
اكتشاف أثري يغير نظرتنا لأصول المدن
عندما بدأ التنقيب في أوائل الثمانينات، بدافع الحاجة إلى توسعة شبكة الطرق، صدم الباحثون بحجم المعلومات التي كشفها الموقع. فقد وجدوا في العين ما يزيد على بقايا مساكن مبنية من الطين، وعددًا هائلًا من الأدوات الحجرية، ومخلفات زراعية، فضلاً عن جماجم وعظام بشرية متعددة. لكن العنصر الأبرز كان التماثيل البشرية الضخمة التي تمثل — ربما — رموزًا روحية أو طقوسية. مما يشير إلى أن مجتمعًا متطورًا كان يعيش هنا قبل نحو 9000 سنة، ويتعامل مع الرموز والتمثيل الفني بطريقة متقدمة لوقته.
كما يظهر البحث في الموقع، لم يقتصر دور العين على كونه مجرد مستوطنة صغيرة، بل كان مجتمعًا زراعيًا متطوّرًا. فالموقع يقع في منطقة كانت في ذلك الوقت أكثر خصوبة مما هي عليه اليوم وقد جعلته المياه المتدفقة من الينابيع المحلية بيئة مناسبة للاستقرار والزراعة. وهذا يتماشى مع أهم التحولات في التاريخ البشري وهو الانتقال من حياة الاعتماد على الصيد والالتقاط إلى الزراعة والتعمر.
أهمية الموقع في التاريخ الإنساني
يرى الخبراء أن العين يعد من المواقع القليلة في الشرق الأوسط التي توفر شواهد ملموسة على التحول الاجتماعي والاقتصادي للبشر في عصور ما قبل التاريخ. بسبب العمر الطويل للموقع وثراء الاكتشافات فيه، يعد العين اليوم أحد أهم المراكز العلمية لدراسة تطور المجتمعات البشرية في منطقة تمتد من وادي النيل حتى بلاد ما بين النهرين.
ولذلك، فإن الاكتشافات هنا لا تمثّل فائدة علمية فقط، بل تضيف بعدًا إنسانيًا عميقًا لفهم كيف انعكس نشوء الزراعة والاستقرار على الروابط الاجتماعية والثقافية لدى المجتمعات الأولى. وكيف بدأت الرموز الفنية والدينية في التبلور مع مرور القرون.
وللوقوف على أهمية هذا الموقع وتأثيره على الأبحاث العلمية، قال الدكتور مازن العتوم، أستاذ آثار الشرق الأدنى في جامعة عمان المفتوحة، إن موقع عين غزال ليس مجرد تجمع من البقايا الحجرية والطينية. إنه صفحة من أقدم صفحات التاريخ البشري المكتوبة بأدوات الحياة اليومية. ما نجده هنا يساعدنا في إعادة بناء فهمنا لعالم كان فيه الإنسان ينتقل من الترحال إلى الاستقرار ومن الاعتماد على الطبيعة إلى تغيّرها بسببه. واكتشاف التماثيل الضخمة وحده يشير إلى أن هذه المجتمعات لم تكن بدائية بشكل كامل بل كانت تمتلك وعيًا رمزيًا وثقافيًا معقدًا.
ويضيف العتوم، أن الدراسات المستمرة في الموقع قد تغيّر فهمنا لكيفية نشوء الحضارات الأولى. وتفتح بابًا جديدًا للتساؤل حول علاقات المجتمعات المتجاورة في تلك الحقبة والمسارات التي اتخذها الإنسان في تطوره.

اترك تعليقاً