بقلم: سحر مهني
في تاريخ الفن المصري، هناك وجوه لا تغيب عن الذاكرة مهما توارت خلف أدوار “الرجل الثاني” أو الأدوار المساعدة. ومن بين هؤلاء، يبرز اسم الفنان القدير محمد كامل، الذي استحق عن جدارة لقب “ملح الفن”؛ فهو الفنان الذي يمنح العمل نكهته الخاصة بمجرد ظهوره، حتى وإن كان مشهداً واحداً.
البداية من عشق المسرح
وُلد محمد كامل في 3 يونيو 1944، ومنذ بداياته كان الفن بالنسبة له رسالة والتزاماً. صقل موهبته بالدراسة وحصل على بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية، ليبدأ رحلة فنية امتدت لأكثر من أربعة عقود، قدّم خلالها ما يقرب من 95 عملاً فنياً متنوعاً بين السينما والدراما والمسرح.
عبقرية البساطة: من “مرسي” إلى “سيد الملا”
لم يسعَ محمد كامل يوماً لتصدر “الأفيش”، بل كان يسعى لتصدر قلوب المشاهدين بصدق أدائه. من ينسى شخصية “مرسي” في مسلسل “عباس الأبيض في اليوم الأسود”، ذلك الصديق المخلص الذي كان ظلاً للفنان يحيى الفخراني؟ أو شخصية “سيد الملا” في “الليل وآخره”؟
كان كامل يمتلك قدرة فائقة على تجسيد المواطن المصري المطحون، الصابر، والمكافح، بملامحه السمراء الطيبة وصوته الذي يحمل نبرة الحكمة والألم معاً.
محطات ذهبية في مشواره
تنوعت بصماته في كلاسيكيات الدراما والسينما المصرية، ومن أبرز أعماله:
في الدراما: “أرابيسك”، “زيزينيا”، “رأفت الهجان”، “ضمير أبلة حكمت”، و”أم كلثوم”.
في السينما: شارك في أفلام علامة مثل “أحلام هند وكاميليا”، “سواق الأتوبيس”، “حب في الزنزانة”، و”جاءنا البيان التالي”.
في المسرح: تألق في مسرحية “الصعايدة وصلوا” التي أظهرت جانباً من خفة ظله الفطرية.
مشهد “غرفة الإعدام”.. شجاعة فنان
من الحكايات المؤثرة في مسيرته، تصويره مشهد الإعدام في فيلم “المغتصبون”. يروى أنه أصر على تصوير المشهد داخل غرفة إعدام حقيقية بمديرية أمن القاهرة ليعيش الحالة بصدق، وهو ما عكس مدى تفانيه في تقديم الدور مهما بلغت قسوته النفسية.
رحيل هادئ.. وإرث باقٍ
في 26 يوليو 2016، رحل محمد كامل عن عالمنا عن عمر يناهز 72 عاماً بعد صراع مع المرض، في نفس اليوم الذي رحل فيه المخرج الكبير محمد خان، وكأن القدر أراد أن يجمع بين رفيقين في الفن في رحلتهما الأخيرة.
رحل محمد كامل جسداً، لكنه بقي في ذاكرة المشاهد كنموذج للفنان المخلص الذي لم تشغله الأضواء بقدر ما شغله “الإتقان”. سيظل دائماً “الجوكر” الذي يرفع من قيمة أي عمل يشارك فيه، والمبدع الذي أثبت أن النجومية ليست دائماً في حجم الدور، بل في حجم الأثر الذي يتركه الفنان في نفوس الناس.

اترك تعليقاً