مفاتيح نفسية وعلمية لترويض ضجيج العقل وتحقيق السلام النفسي في عصر القلق

بقلم سحر مهني

 

في العصر الحديث في دوامة لا تنتهي من المشتتات والضغوط التي جعلت من الهدوء الذهني عملة نادرة وصعبة المنال حيث تشير الدراسات النفسية الحديثة إلى أن العقل البشري يستقبل آلاف الأفكار يوميا أغلبها يحمل طابعا سلبيا أو قلقا حيال المستقبل مما يؤدي إلى حالة من الإنهاك النفسي والجسدي ومن هنا برزت الحاجة إلى البحث عن مفاتيح نفسية حقيقية قادرة على إعادة التوازن للعقل وتسكين صراعاته الداخلية بعيدا عن الحلول المؤقتة لتبدأ رحلة البحث عن السكينة من خلال فهم عميق لآليات عمل الدماغ وكيفية توجيه المشاعر نحو الاستقرار

أول هذه المفاتيح وأكثرها تأثيرا هو فن اليقظة الذهنية أو ما يعرف بالحضور التام والذي يعتمد على تدريب العقل على البقاء في اللحظة الراهنة دون إطلاق أحكام مسبقة أو الغرق في ندم الماضي ومخاوف المستقبل حيث يرى خبراء علم النفس أن معظم القلق ينشأ من مغادرة العقل للحاضر وتجوله في سيناريوهات وهمية لم تحدث بعد ويعد التنفس الواعي أداة سحرية ضمن هذا المفتاح إذ يعمل على تحفيز الجهاز العصبي الباراسمبثاوي المسؤول عن الاسترخاء مما يقلل من مستويات هرمون الكورتيزول في الدم ويمنح العقل إشارة فورية بالأمان والهدوء

المفتاح الثاني يتمثل في ممارسة القبول والتسليم وهي استراتيجية نفسية تهدف إلى التمييز بين الأمور التي يمكننا السيطرة عليها وتلك التي تقع خارج إرادتنا فالكثير من الضجيج العقلي ينبع من محاولاتنا المستميتة لتغيير أشياء لا نملك تغييرها مثل آراء الآخرين أو أحداث القدر وعندما يتعلم الفرد تقبل الواقع كما هو دون مقاومة عبثية تنخفض حدة الصراع الداخلي وتتحرر طاقة ذهنية كبيرة كانت مهدرة في القلق مما يتيح للعقل التركيز على الحلول الممكنة بدلا من الغرق في المشكلات المستعصية

أما المفتاح الثالث فهو إعادة الهيكلة المعرفية والتي تعني مراقبة الأفكار التلقائية وتفنيدها فالعقل غالبا ما يميل إلى تضخيم الأمور أو القفز إلى استنتاجات كارثية دون دليل حقيقي ومن خلال تحويل الأفكار من نمط أنا فاشل أو كل شيء سينهار إلى نمط أنا أواجه تحديا وسأتعامل معه بقدراتي الحالية يبدأ العقل في الهدوء لأن اللغة التي نتحدث بها مع أنفسنا تشكل الكيمياء الحيوية لأدمغتنا فالكلمة الطيبة للنفس لا تقل أهمية عن الكلمة الطيبة للآخرين في جلب السكينة والاطمئنان

ختاما يبرز مفتاح العزلة الإيجابية والديتكس الرقمي كضرورة حتمية في زمن الشاشات حيث يحتاج العقل إلى فترات صمت تام بعيدا عن إشعارات الهواتف وضجيج الأخبار ليعيد تنظيم نفسه ومعالجة المعلومات المتراكمة فالهدوء ليس غيابا للصوت بل هو حالة من الصفاء الداخلي تمكننا من سماع صوت الحكمة بداخلنا إن تطبيق هذه المفاتيح بشكل تدريجي ومستمر يحول الهدوء من حالة مؤقتة إلى نمط حياة ثابت يحمي الفرد من عواصف الحياة المتسارعة ويمنحه القدرة على مواجهة التحديات بذهن صاف وقلب مطمئن

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *