بقلم: سحر مهني
من قلب أروقة الجامع الأزهر، خرج شاب لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، ليخط بدمائه ونضاله قصة ستظل محفورة في ذاكرة التاريخ المصري والعربي كواحدة من أبشع جرائم الاحتلال الفرنسي. إنه سليمان الحلبي، الطالب السوري الذي أتى من حلب لطلب العلم، فصار رمزاً للمقاومة والفداء.
دافع الانتقام: دماء الشيوخ لا تذهب سدى
بدأت الحكاية مع اندلاع ثورة القاهرة الأولى عام 1798 ضد الحملة الفرنسية. قمع الفرنسيون الثورة بوحشية، وكان من بين الضحايا الشيخ أحمد الشرقاوي، أستاذ سليمان الحلبي، الذي أُعدم بقطع الرأس مع خمسة من كبار شيوخ الأزهر.
لم تكن تلك الدماء مجرد أرقام بالنسبة للحلبي، بل كانت الوقود الذي أشعل في قلبه نار الانتقام لأستاذه وللمصريين الذين سُحقت عظامهم تحت أقدام خيول جنود نابليون داخل صحن الأزهر.
اللحظة الحاسمة: طعنات أنهت حقبة “كليبر”
بعد رحيل نابليون بونابرت، تولى الجنرال كليبر قيادة الحملة، وكان أكثر دموية من سلفه، حيث أباد حي بولاق بأكمله خلال ثورة القاهرة الثانية. هنا قرر الحلبي التحرك؛ تسلل إلى قصر الألفي بك متظاهراً بطلب الصدقة.
وعندما مد كليبر يده ليقبلها المتسول، فاجأه سليمان بـ أربع طعنات قاتلة بنصل سكين، ليلحق به كبير المهندسين الذي حاول التدخل، ويسقط الطاغية صريعاً في حديقته.
المحاكمة الصورية.. وأبشع أساليب القتل
لم يطل الوقت حتى قُبض على سليمان ومعه أربعة من زملائه الأزهريين الغزاويين. وفي محاكمة عسكرية افتقرت لأدنى معايير الإنسانية، صدر الحكم الذي أراد منه الفرنسيون إرهاب المصريين:
الإعدام بقطع الرؤوس للزملاء الأربعة أمام عيني سليمان.
حرق أجسادهم حتى التفحم.
حرق يد سليمان اليمنى (التي طعن بها كليبر) وهو على قيد الحياة.
الإعدام بـ “الخازوق”، وهي الوسيلة الأكثر وحشية، وتركه فوق “تل العقاب”.
“ظل سليمان الحلبي صامداً فوق الخازوق لمدة أربعة أيام، تنهش الطيور الجوارح جسده وهو يتمتم بالشهادة، في مشهد يندى له جبين الإنسانية.”
المفارقة التاريخية: “مجرم” عندهم.. “بطل” عندنا
إلى يومنا هذا، لا تزال فرنسا تحتفظ بـ جمجمة سليمان الحلبي في “متحف الإنسان” بباريس، وتحتها لافتة كُتب عليها “المجرم”، بينما تقبع جمجمة كليبر في متحف “الإنفاليد” تحت مسمى “البطل”.
إن هذه المفارقة تبرز كيف يكتب المستعمر التاريخ بريشته، لكن الحقيقة تظل ثابتة في وجدان الشعوب؛ فسليمان الحلبي ليس مجرماً، بل هو طالب علم دافع عن كرامة أمة، واستحق أن يُخلد اسمه في سجلات الشرف كأحد أعظم الفدائيين في التاريخ الحديث.

اترك تعليقاً