في ذكرى عيد الدقهلية والاحتفال بالنصر على الصليبيين، نُعيد تسليط الضوء على معركة المنصورة باعتبارها واحدة من أبرز المعارك الفاصلة في التاريخ المصري، والتي شكّلت نقطة تحوّل حاسمة في مسار الصراع مع الحملات الصليبية، وأسهمت في ترسيخ مكانة المنصورة كمدينة صنعت النصر وحفظت الكرامة الوطنية.
وقعت معركة المنصورة خلال الحملة الصليبية السابعة، حين سعت القوات الصليبية بقيادة الملك الفرنسي لويس التاسع إلى احتلال مصر، باعتبارها مفتاح السيطرة على العالم الإسلامي آنذاك. وبعد سقوط مدينة دمياط في أيدي الصليبيين، تقدمت قواتهم نحو المنصورة، أملاً في توجيه ضربة قاصمة للدولة الأيوبية، غير أن حساباتهم اصطدمت بإرادة شعبية وجيش مصري أثبت قدرة استثنائية على الصمود والمواجهة.
وشهدت المنصورة واحدة من أذكى الخطط العسكرية في التاريخ، حين جرى استدراج القوات الصليبية إلى داخل المدينة، لتتحول شوارعها الضيقة إلى ساحة قتال أربكت العدو وأفقدته القدرة على المناورة. وأسهم تلاحم أبناء المدينة مع الجيش في إلحاق هزيمة ساحقة بالصليبيين، سقط خلالها عدد كبير من القادة والجنود، وانتهت المعركة بانكسار الجيش الصليبي وتراجع قواته.
ولم تتوقف تداعيات المعركة عند حدود الانتصار العسكري، بل امتدت إلى أسر لويس التاسع نفسه، في حدث تاريخي غير مسبوق، حيث جرى احتجازه في دار ابن لقمان بالمنصورة، لتتحول الدار لاحقًا إلى رمز وطني وشاهد حي على انتصار الإرادة المصرية. وتضم دار ابن لقمان اليوم مقتنيات ووثائق تاريخية تجسد تفاصيل تلك المرحلة، وتروي قصة صمود شعب واجه واحدة من أقوى الحملات العسكرية في العصور الوسطى.
ويؤكد المؤرخون أن معركة المنصورة لم تكن مجرد انتصار عسكري عابر، بل مثلت ضربة قاصمة للمشروع الصليبي في المنطقة، وأسهمت في إعادة رسم خريطة الصراع، ومهّدت لاحقًا لتحولات سياسية وعسكرية كبرى في تاريخ مصر والمنطقة. كما رسخت المعركة مكانة المنصورة في الوجدان الوطني، بوصفها مدينة لعبت دورًا محوريًا في الدفاع عن الوطن.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المتاحف الأثرية والتاريخية في محافظات مصر، وعلى رأسها متحف دار ابن لقمان، في توثيق هذه اللحظات الفارقة من تاريخ الأمة. فهذه المتاحف لا تكتفي بعرض القطع الأثرية، بل تؤدي دورًا ثقافيًا وتوعويًا في نقل المعرفة التاريخية إلى الأجيال الجديدة، وتعزيز الشعور بالانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية.
ويأتي الاحتفال بعيد الدقهلية كل عام ليجدد الذاكرة الوطنية، ويؤكد أن ما شهدته أرض المنصورة لم يكن مجرد صفحة من الماضي، بل درسًا متجددًا في الإرادة والصمود والوحدة الوطنية. فمعركة المنصورة ستظل شاهدًا على قدرة المصريين على الدفاع عن أرضهم، وصناعة التاريخ، وحفظ الكرامة الوطنية في مواجهة التحديات.

اترك تعليقاً