جمال المنياوي
تابع الدكتور د. مينا ثابت قليني استشاري أول الأدوية العلاجية بنقابة الأطباء
أحد أعلى 2% من علماء العالم تأثيرًا تصنيف ستانفورد/إلسفير 2022–2025
الأول مصريًا والـ110 عالميًا (آخر خمس سنوات) ضمن أعلى 0.05% من الباحثين فى أبحاث كوفيد-19 – تصنيف ScholarGPS 2026
زميل جامعة INTI الدولية — ماليزيا
مؤسس بروتوكول قلينى المناعي، وخبير علاج كوفيد-19 والفيروسات التنفسية وطنين الأذن
عضو هيئة التدريس بكلية الطب جامعة المنيا. تابع باهتمام وحزن ما أُثير حول وفاة السيدة يوستينا ماجد، رحمها الله، وما انتهت إليه محاكمـة زوجها من حكم بالسجن المؤبد، ولفت انتباهي تصريح لأحد المحامين بأن تناول عقاري إيفكسور (Effexor) وكونكور (Concor) معًا قد يؤدي إلى الوفاة.
وبحكم عملى كطبيب وتخصصي في علم الأدوية (الفارماكولوجي)، أرى من واجبي توضيح بعض الحقائق العلمية المهمة، ليس دفاعًا عن متهم أو تشكيكًا في حقوق المجني عليها وأسرتها، وإنما احترامًا للعلم والعدل، وحرصًا على المرضى.
أولًا، نعم، يمكن أن يتسبب أي من العقارين في تسمم شديد قد ينتهي بالوفاة، خاصة عند تناوله بجرعات سامة، لكن الجمع بين العقارين ليس ممنوعًا طبيًا على إطلاقه، ولا يعني بالضرورة حدوث تسمم أو وفاة، بل قد يصفهما الطبيب معًا لبعض المرضى وفقًا لحالتهم الصحية، مع مراعاة الجرعات والاحتياطات اللازمة.
وهنا تكمن خطورة التعميم؛ فربما يسمع هذا التصريح مريض يتناول العقارين بالفعل بناءً على وصفة طبية، فيصيبه الخوف ويتوقف عن تناولهما فجأة، بينما قد يعرّضه هذا التوقف نفسه لمضاعفات خطيرة!
ولذلك أرجو من كل مريض يتناول أحد العقارين أو كليهما ألا يتوقف عن العلاج من تلقاء نفسه، وإنما يراجع طبيبه إذا كانت لديه أي مخاوف.
ثانيًا، فيما يتعلق بالقضية نفسها، فقد طالعت ما نُشر عن تقرير الطب الشرعي الذي لم يكتفِ بإثبات وجود المادتين الدوائيتين في العينات الحشوية بعد استخراج الجثمان، بل انتهى إلى أن الوفاة ذات طبيعة تسممية دوائية. وهذا استنتاج طبي شرعي بالغ الأهمية، لكنه بطبيعة الحال يستند إلى تفسير النتائج في ضوء الحالة السريرية وغيرها من الأدلة، وليس إلى مجرد اكتشاف وجود الدوائين.
وهنا يجب التفرقة بين إثبات وجود الدواء، وإثبات حدوث تسمم به، وإثبات أن هذا التسمم هو الذي تسبب في الوفاة، ثم إثبات المسؤولية الجنائية عن إعطائه عمدًا بقصد القتل. فهذه مسائل مختلفة، ولا يجوز اختزالها في نتيجة تحليل واحدة.
ومن الضروري أن يستند التقييم الطبي الشرعي إلى مجمل الأدلة، بما فيها نتائج التحليل الكمي للأدوية متى أمكن، وطبيعة العينات وحالتها، وتأثير التحلل والتغيرات التي تحدث بعد الوفاة، والتاريخ المرضي، والمستندات الطبية، والقرائن الأخرى، مع الاستعانة بالخبرة العلمية المتخصصة فيظل كيفية تفسير هذه النتائج وربطها بسبب الوفاة هي المسألة التي تحتاج إلى التدقيق.
وقد تابعت أيضًا ما نُشر عن الرسائل التي أرسلتها الراحلة قبل وفاتها، وأقوال بعض الشهود، وفواتير شراء الأدوية، وهي جميعًا أدلة وقرائن لا يجوز تجاهلها أو التقليل من شأنها، وقد نظرتها المحكمة وانتهت إلى حكم بالإدانة.
وأؤكد هنا أنني لم أطلع على ملف القضية الكامل أو حيثيات الحكم، وبالطبع لا يجوز اختزال القضية في مناقشة دوائية واحدة مع تجاهل بقية الأدلة، لكن هناك مبدأ أراه بالغ الأهمية أنه حتى لو ثبت أن إنسانًا ارتكب أفعالًا مشينة للشرف وتستوجب الإدانة الأخلاقية، فإن هذا لا يكفي وحده لإثبات ارتكابه جريمة قتل!
قد يكون الإنسان ظالمًا أو خائنًا، لكن اتهامه بإزهاق روح إنسان آخر يحتاج إلى أدلة تثبت هذه الجريمة تحديدًا، لا إلى استنتاجات تُبنى على سوء سلوكه في أمور أخرى.
ولعلنا جميعًا تابعنا مؤخرًا قضايا شغلت الرأي العام، وتبدلت فيها مواقف وانطباعات كثيرين بعد ظهور حقائق أو أدلة جديدة لم تكن معروفة من قبل. وهو ما يدعونا إلى مزيد من التروي قبل إصدار الأحكام، فلا نندفع إلى إدانة إنسان أو تبرئته تحت تأثير المشاعر أو ما يُتداول إعلاميًا، وإنما نترك للأدلة الموثوقة أن تكشف الحقيقة، وللعدالة أن تأخذ مجراها.
والأهم لا يليق أبدًا الإيحاء بأن الجريمة، بفرض حدوثها على النحو المتداول، إنما كانت نتيجة لتشدد المسيحية في منع الطلاق!
فالمسيحية، وفقًا للتعليم الذي تتمسك به الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كانت ولا تزال تسمح بالطلاق لعلة الزنا، ومن حق الزوجة كما الزوج طلب الطلاق إذا ثبتت خيانة الطرف الآخر وفقًا للضوابط الكنسية والقانونية. وقد وضع السيد المسيح بنفسه هذا الاستثناء في الإنجيل (متى 19: 9).
أما تمسك المسيحية بقدسية الزواج وعدم إباحة الطلاق لمجرد الهوى أو تبدل المشاعر، فأراه حماية للأسرة وليس عدوانًا على حرية الإنسان، وأؤمن أنه أسهم في الحفاظ على ملايين الأسر المسيحية من التفكك وحماية الأطفال من التشرد بسبب نزوات عابرة أو قرارات متسرعة، دون أن يعني ذلك مطالبة أي إنسان بتحمل العنف أو الخطر على حياته.
فلا يجوز أن نحمل تعاليم دين مسؤولية جريمة يرتكبها إنسان بإرادته، إن ثبت ارتكابها، ولا أن نجعل من مأساة إنسانية ذريعة لتشويه معتقد ديني أو تحميله ما لا يحتمل.
وكما أن من حق أسرة يوستينا أن تُكشف الحقيقة كاملة، وأن ينال المسؤول عن وفاتها جزاءه العادل، فمن حق أي متهم أن تُفحص الأدلة المتعلقة به بمنتهى الدقة والإنصاف، وأن تُتاح له جميع ضمانات الدفاع والتقاضي.
فالعدل لا يتحقق بإدانة إنسان لمجرد أننا نستنكر أفعاله، كما لا يتحقق بالتشكيك في حقوق الضحايا أو التهوين من الجرائم.
رحم الله يوستينا، وعزّى أسرتها، وأظهر الحق كاملًا.
وأرجو أن ندرك جميعًا، خاصة نحن الأطباء ومن يتحدثون باسم العلم أمام الرأي العام، أن الدقة العلمية ليست ترفًا، فقد تكون كلمة غير دقيقة سببًا في الإضرار بصحة مريض، أو الإساءة إلى إنسان، أو إرباك فهم الناس لقضية بالغة الخطورة.
ونسأل الله أن يعين كل من بيده حكم أو شهادة أو كلمة على تحري الحق والعدل، فلا يُظلم بريء، ولا يفلت مذنب من حساب عادل.

اترك تعليقاً