دعونا نناقش ما يحدث الآن داخل حزب الوفد بهدوء ومسؤولية، لأن المشهد في تقديري أكبر من مجرد خلاف حول نتيجة انتخابات أو سجال بين أطراف سياسية داخل بيت الأمة.
المسألة لا تتعلق فقط بحكم قضائي نهائي بشأن نتيجة انتخابات رئاسة حزب الوفد، التي جرت بفارق ستة أصوات عن المرشح الآخر الدكتور هاني سري الدين، ولا بما أثير حول مدى اكتمال النصاب القانوني للجمعية العمومية التي جرت خلالها الانتخابات.
القضية الأهم هي ما تفرضه هذه التطورات من أسئلة حول النزاهة والمساءلة ومعايير تولي المسؤولية داخل حزب سياسي عريق بحجم حزب الوفد.
فكيف يمكن أن نتحدث عن صورة الحزب أمام أعضائه والرأي العام، في ظل ما أثير بشأن وجود حكم قضائي يتعلق بجريمة رشوة، وما ارتبط بها من اعتراف أمام القضاء وفقا لما يثار في هذا الملف؟
السؤال هنا ليس موجها ضد شخص بعينه، وإنما يتعلق بالمبدأ.
فحزب الوفد، الذي يرفع طوال تاريخه شعارات الدولة والقانون ومحاربة الفساد، مطالب بأن تكون معايير النزاهة والمساءلة داخله واضحة ومطبقة على الجميع دون استثناء.
ولا يمكن أن تكون هناك ازدواجية في التعامل مع القواعد؛ فالقانون يجب أن يطبق على الجميع، واللائحة يجب أن تكون المرجع الذي يحتكم إليه الجميع، أيا كان موقع الشخص أو اسمه أو حجم نفوذه داخل الحزب.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعا: هل استمرار العضوية وممارسة الدور السياسي والقيادي في ظل الأحكام والوقائع المثارة في هذا الملف يتوافق مع القانون ولائحة الحزب، ومع القواعد المنظمة لمباشرة الحقوق السياسية؟
هذا السؤال لا يجب أن تتم الإجابة عنه بالشعارات أو بالمواقف الشخصية، وإنما بالرجوع إلى نصوص القانون واللائحة والجهات المختصة، حتى لا يتحول الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية، وحتى لا تصبح مؤسسات الحزب طرفا في صراع بين الأشخاص.
إن القضية في النهاية تتجاوز أسماء المتنافسين على رئاسة الوفد، وتمس صورة الحزب نفسه أمام أعضائه والرأي العام.
فالوفد ليس مجرد قيادة أو هيئة عليا أو انتخابات دورية، وإنما تاريخ سياسي طويل وبيت ارتبط في الذاكرة المصرية بفكرة التعددية والحياة الحزبية والدفاع عن دولة القانون.
ولهذا فإن الحفاظ على هيبة الوفد يبدأ من احترام قواعده الداخلية، والاحتكام إلى القانون، وإعمال مبدأ المساءلة على الجميع دون تمييز.
كما أن الصمت أمام القضايا الجوهرية لا يساعد على استقرار المؤسسات، بل قد يوسع الفجوة داخل الحزب ويزيد من حالة الاحتقان بين أعضائه.
ومن هنا فإن المطلوب ليس صداما ولا تصفية حسابات، وإنما نقاش مؤسسي هادئ، شفاف ومسؤول، تضع فيه مؤسسات الحزب القانون واللائحة فوق الأشخاص والمصالح.
ولعل السؤال الأهم الذي يجب أن يطرح نفسه الآن:
هل يستطيع حزب الوفد أن يثبت أن قواعده تطبق على الجميع بالمعيار نفسه، وأن مصلحة الحزب وتاريخه أكبر من أي شخص أو قيادة؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست مسؤولية فرد واحد، وإنما مسؤولية مؤسسات الوفد وقياداته وأعضائه جميعا.
وأقولها بوضوح: من يختار الصمت أمام أي أزمة تمس مستقبل الحزب عليه أن يدرك أن التاريخ لا يحاسب فقط من اتخذ القرار، وإنما يحاسب أيضا من رأى الخلل واختار ألا يتحدث.
فالوفد أكبر من الأشخاص، وأكبر من المناصب، وأكبر من أي خلاف انتخابي.
وإذا كان هناك اختلاف، فليكن داخل المؤسسات، وإذا كان هناك خلاف قانوني، فليكن الفيصل هو القانون، وإذا كانت هناك ملاحظات على اللائحة، فلتكن المناقشة علنية وواضحة.
المطلوب اليوم ليس الانتصار لطرف على حساب طرف، وإنما إنقاذ الثقة في مؤسسات بيت الأمة، والحفاظ على مكانة حزب الوفد وتاريخه، وإثبات أن دولة القانون تبدأ من داخل الأحزاب قبل أن نطالب بها في المجتمع.
فالوفد لا يحتاج إلى معركة جديدة بين أبنائه، وإنما يحتاج إلى شجاعة في مواجهة أزماته، وعدالة في تطبيق قواعده، ووضوح في حماية مستقبله.

اترك تعليقاً