الدكتورة كالين فايز صالح تكتب :زمن الصعاليك
سفيرة الريادة الانسانية والسلام العالمي
من ديوان «نبضات كالينية» — خواطر شعرية
لم أصوّب سهامي يومًا نحو شخصٍ بعينه، ولا كتبت هذه الكلمات لأطارد أسماءً أو لأصفّي حسابات. أنا أصوّبها نحو منظومةٍ متهالكة، ونحو هوسٍ أصاب بعض الصعاليك، حتى جعلهم يظنون، ولو للحظة، أنهم أشخاصٌ ذوو قيمة، أو أنهم قادرون على تغيير شيء في معادلة الدنيا.
فـ**«الصعاليك» بالنسبة إليّ ليست كلمة محصورة في أشخاص محددين، بقدر ما هي رمزٌ لنمطٍ من السلوك**؛ نمط يقوم على المظاهر الخادعة، والاستعراض الكاذب، وتضخيم الذات، وبناء أبراج من الوهم في أذهان الناس.
لكن الوهم لا يصبح حقيقة لمجرد أن صاحبه كرره طويلًا.
المظاهر الخادعة لا تخفي الحقيقة، والاستعراض الكاذب لا يصنع قيمة.
وأكثر ما يضحكني، ويضحك كل من يعرف الحقائق، هو ذلك التراكض المحموم خلف أصحاب النفوذ والصلة؛ ذلك السعي المستميت للفت انتباه من يملكون نفوذًا حقيقيًا، وكأن مجرد الاقتراب منهم يمنح الصعلوك قيمةً لم يصنعها بنفسه.
يتقربون، ويتباهون، ويجمعون الصور والأسماء والعلاقات، ثم يعودون ليقدّموا ذلك للناس وكأنه إنجاز، وكأنهم أصبحوا جزءًا من دائرة صناعة القرار لمجرد أنهم استطاعوا الوقوف على هامشها.
والأكثر إثارة للسخرية أنهم يظنون أنهم شيء يُذكر في المعادلة، بينما قد يراهم أصحاب النفوذ أنفسهم مجرد حضورٍ عابر في مشهدٍ أكبر منهم؛ وربما مجرد دمى تتحرك عندما تُحرَّك الخيوط.
لكن المشكلة ليست في أن يكون الإنسان بعيدًا عن دوائر النفوذ.
المشكلة أن يخلط بين القرب من النفوذ وامتلاك النفوذ، وبين الظهور والتأثير، وبين الصورة والقيمة.
فالقرب من أصحاب القرار لا يجعلك صاحب قرار.
والجلوس في الصفوف الأولى لا يجعلك من صانعي المشهد.
والتصوير مع أصحاب النفوذ لا يمنحك نفوذهم.
والعلاقة لا تصنع قيمةً لا يملكها الإنسان في ذاته.
وهنا يكمن الفرق الحقيقي بين من يصنع ويغيّر ويبني، وبين صعاليك من زمن الحانات الليلية؛ أولئك الذين يظنون أن الضجيج حضور، وأن الاستعراض إنجاز، وأن الاقتراب من أصحاب النفوذ يعني أنهم أصبحوا جزءًا من صناعة المشهد.
من يصنع لا يحتاج إلى الركض خلف الأضواء؛ الأثر الحقيقي هو الذي يستدعي الأضواء إليه.
من يغيّر يترك أثرًا.
ومن يبني يترك شيئًا يبقى.
ومن يعمل للناس لا يحتاج إلى أن يقنعهم كل يوم بأنه مهم.
أما من يعيش على الاستعراض، فيعيش على المشهد لا على الإنجاز، وعلى الحضور لا على الأثر، وعلى الصورة لا على الجوهر.
وهنا يظهر الفرق:
هناك من يصنع المعادلة، وهناك من يتوهم أنه رقمٌ فيها.
هناك من يدخل التاريخ والجغرافيا باسمه وأثره، وهناك من يؤدي دورًا في مسرحية مؤقتة.
فمن يكتب فصول الحكاية ليس كمن يقف على خشبتها مؤديًا دورًا رسمه له غيره.
الكاتب يكتب.
وصانع المشهد يصنع.
والبنّاء يترك ما يبقى بعد إسدال الستارة.
أما الـ«كومبارس»، مهما بالغ في حركاته، ومهما حاول خطف الأضواء، فيبقى دوره جزءًا من المشهد، لا جزءًا من صناعة الحكاية.
وعندما تُسدَل الستارة، لا يبقى السؤال: من كان أكثر ضجيجًا؟
بل:
من كتب الفصل؟
من صنع الأثر؟
ومن كان مجرد وجه عابر في المشهد؟
فالتاريخ لا يحتفظ بكل من ظهر على المسرح؛
التاريخ يحتفظ بمن صنع شيئًا يستحق أن يُروى.
القصيدة
ومن هنا جاءت قصيدتي «زمن الصعاليك»، التي كتبتها باللهجة التي أحببت أن تكون قريبة من الناس، ساخرة ومباشرة، كما كانت الفكرة نفسها:
مين مثلي ملاحظ إنو صرنا بزمن الصعاليك
صارت القيم والمثل والأخلاق أنتيك
صارت الوقاحة شطارة وتكتيك
ما للصعلوك بفكّر حالو على مزبلة ديك
يلي متلي مثل حالي بقول للصعلوك الله يهديك
مع إنو نحنا بزمن مقرف مليان صعاليك
دايمًا بدعي ربي يصبّر قلبي على ما بيك
صعاليك بعرف أصلكن حتى ولو بتقعدوا مع مماليك
الفرق بيني وبينكن مثل الـ caviar والحمام بالفرنيك
لم تكن «زمن الصعاليك» قصيدة عن شخص بعينه، بل عن ظاهرة؛ عن زمنٍ أصبحت فيه أحيانًا الصورة أهم من الحقيقة، والاستعراض أهم من الإنجاز، والقرب من أصحاب النفوذ أهم من صناعة الأثر.
وقد يكون أكثر ما يثير السخرية أن بعض الصعاليك يملكون قدرًا كبيرًا من السذاجة والوقاحة معًا؛ سذاجة تجعلهم يعتقدون أنهم غير مكشوفين، ووقاحة تجعلهم يستمرون في أداء الدور نفسه حتى بعدما تصبح الحقيقة واضحة للجميع.
فالناس ترى أكثر مما تتكلم.
ترى التناقض.
وترى التصنّع.
وترى محاولة تضخيم الذات.
وترى المسافة بين الصورة التي يحاول الإنسان تسويقها وبين حقيقته.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا يستطيع أي استعراض أن يغيّرها:
الصعاليك سيبقون صعاليك، حتى لو جالسوا المماليك.
أما من يملك قيمة حقيقية، فلا يحتاج إلى أن يثبتها بالضجيج.
فالقيمة لا تصرخ.
والكرامة لا تستعرض.
والأثر لا يحتاج إلى كومبارس كي يثبت وجوده.

اترك تعليقاً