كتبت سحر مهني
في ذكرى ميلادها التي تُعيد إلى الأذهان أزهى أوقات الكوميديا في العصر الذهبي للسينما المصرية، تبقى قصة الفنانة الراحلة زينات صدقي إحدى أكثر القمم الإنسانية إلهاماً وتأثيراً؛ قصة امرأة عاشت بقلب غني ونفس شبعانة، ورغم جفاء السنوات وتراكم الديون، لم تتخلَّ يوماً عن كبريائها وفنها الذي صنعته بعرقها وأعصابها.
المصحف الصغير ورسائل إلى الله
تداول المقربون من الفنانة الراحلة حكاية منام رؤيوي عاشت تفاصيله؛ إذ حلمت في أيامها الأخيرة بأن منزلها ممتلئ بمصاحف كبيرة، لتسارع في الصباح إلى حي الأزهر لشراء أعداد منها وتوزيعها هدايا على كل من يزورها. لم يبقَ معها سوى مصحف صغير، كانت تضع بين صفحاته أوراقاً مدونة بدعواتها الصادقة لرب العالمين: “يارب افتحها في وشي.. يارب شغلني واسدد ديوني.. يارب تكرم ولاد اختي وحنن قلب صاحب البيت”.
16 عاماً من العزة والغياب
غابت زينات صدقي عن الشاشة لأكثر من 16 عاماً، ولم تظهر إلا في مشاركات قليلة مثل فيلمي «السراب» و«بنت اسمها محمود» عام 1975، والذي تقاضت عنه أعلى أجر في حياتها (500 جنيه)، فضلاً عن مشاركتها بدون أجر مجاملة للمنتجة لولا صدقي في فيلم «خطيب ماما». ورغم الضائقة المادية، كانت تُستقبل الأعياد برضا تام؛ فعندما لم تجد في بيتها سوى الباذنجان، كانت تأكل بسعادة وتغني مع أقاربها: “راح المال وراس المال.. ومبسوطين وممنونين”.
ورداً على نصيحة ابن أختها بزيارة النقابة أو مبنى التلفزيون للحصول على أدوار، ردت بحسم وموقف يجسد كبرياء الفنان الحقيقي: «أنت ترضى لي أهين نفسي في العمر ده والمكانة دي؟ اسم زينات صدقي أنا عملته بدمي وأعصابي وعمري ولا يمكن أفرط فيه.. اللي عاوزني يطلبني، إنما أنا عمري ما أنزل أتراجل ولا أتسول دور!»
مواقف إنسانية لا تُنسى
تجسدت إنسانيتها في أبهى صورها على الشاشة وخلف الكواليس؛ ففي كواليس فيلم «شارع الحب»، دعت الفنان عبد الحليم حافظ ليشاركها طعامها، وعندما أخرج لها علبة دوائه مشيراً إلى ظروفه الصحية، بكت تأثراً وقبل رأسها مواسياً. كما تُذكر لها وقفتها الشجاعة عقب وفاة كومبارس يدعى إبراهيم فوزي؛ إذ تكفلت بمصاريف جنازته ودعت المترددين على المقاهي للمشي في جنازته، وواجهت كبار كُتاب وفناني عصرها بعتاب حاد لتقاعسهم عن تشييعه.
رحلت زينات صدقي بعد مسيرة حافلة رسمت خلالها البسمة على وجوه الملايين، تاركةً خلفها إرثاً فنياً عريضاً ودرساً خالداً في العزة والكرامة والرضا النفسي.

اترك تعليقاً