لائحة الوفد تحت النار.. هل تعيد التعديلات رسم خريطة السلطة داخل بيت الأمة؟

 

 

ماذا يحدث داخل «بيت الأمة»؟ وهل نحن أمام مجرد تعديلات على لائحة الوفد، أم أمام إعادة رسم كاملة لخريطة السلطة داخل الحزب؟

 

أسئلة فرضت نفسها بقوة بعد طرح المسودة المبدئية لتعديل اللائحة الداخلية، والتي فجرت موجة من الاعتراضات والتساؤلات بين عدد من الوفديين، خاصة مع الحديث عن استحداث 25 مادة وتعديل 35 مادة، إلى جانب مواد يرى معترضون أنها قد تعيد توزيع الاختصاصات وتؤثر في توازن السلطات داخل الحزب.

 

المثير في الجدل أن الاعتراضات لم تتوقف عند صياغة مادة أو تعديل اختصاص، وإنما امتدت إلى جوهر النظام الداخلي للحزب: من يملك القرار؟ كيف تُنتخب القيادات؟ وما حدود سلطة رئيس الوفد؟ وهل تبقى المؤسسات صاحبة القرار أم تنتقل مساحات أوسع من السلطة إلى موقع واحد؟

 

ومن هنا بدأت الأسئلة تتوالى.

 

طرح أحد الأعضاء تساؤلات حول تكرار ذكر «جيل المستقبل» وهيئته في مشروع تعديل اللائحة، متسائلًا عن أسباب تخصيص مادة مستقلة للهيئة، ودوافع الإصرار على تمرير التعديلات رغم وجود اعتراضات من وفديين عليها، وكذلك عن المستفيد من هذه التعديلات ودور المنسق العام للهيئة في المرحلة المقبلة.

 

أسئلة سياسية وتنظيمية أثارت بدورها نقاشًا أوسع حول مشاركة أعضاء حديثي الانضمام في صياغة أو مناقشة مستقبل حزب يمتد تاريخه لأكثر من قرن.

 

وفي لهجة أكثر حدة، وصف سمير صبري ما يجري بأنه «كارثة بكل المقاييس»، معترضًا على فرض تعديلات على الوفديين من أعضاء جدد لا يعرفون، بحسب تعبيره، تاريخ الحزب، منتقدًا ما اعتبره تمكينًا لكيانات موازية داخل الوفد، ومحذرًا من صناعة حالة من الانفراد بالقرار داخل الحزب.

 

أما السيد أبو مسلم، فاختار عنوانًا لافتًا لموقفه: «أذرع للدفاع عن اللائحة».

 

ويرى أبو مسلم أن الدعوات الموجهة إلى بعض الأعضاء لمناقشة التعديلات تطرح علامات استفهام، خاصة إذا كان بعض المدعوين لا يمتلكون صفة لائحية، معتبرًا أن مناقشة مستقبل الحزب يجب أن تكون من خلال حوار وفدي حقيقي يشارك فيه أصحاب الصفة، لا من خلال حشد مؤيدين لمشروع بعينه.

 

ويطرح هذا الموقف سؤالًا أكثر حساسية: هل اللائحة تُكتب لتنظيم مؤسسات الحزب، أم أن بعض بنودها قد تصنع مواقع وأدوارًا جديدة لأشخاص أو كيانات بعينها؟

 

في المقابل، جاءت مداخلة المهندس حمدي قوطه لتضع الإصبع على نقطة أخرى شديدة الحساسية.

 

فقد أعلن اعتراضه على استمرار مناقشة المسودة في الوقت الحالي، مشيرًا إلى استحداث 25 مادة وتعديل 35 مادة، معتبرًا أن حجم التغييرات يجعل مناقشتها في هذه الظروف أمرًا صعبًا، ودعا إلى تأجيل الأمر والتركيز على ملفات وصفها بالملحة، من بينها الرواتب والتأمينات والضرائب والمقرات.

 

لكن النقطة الأكثر إثارة في مداخلته كانت ما يتعلق بالمكتب التنفيذي.

 

فبحسب قراءته للمسودة، فإن النص الذي ينص على اختيار رئيس الحزب لأعضاء المكتب التنفيذي وعرضهم على الهيئة للموافقة يثير تساؤلًا مباشرًا: هل يعني ذلك عمليًا إلغاء انتخابات المكتب التنفيذي؟

 

ولم يتوقف الجدل هنا، إذ حذر قوطه من فقدان التوازن بين السلطات وتركيز الاختصاصات المالية والهيئات في يد رئيس الحزب، وهي ملاحظات تمس صميم فلسفة الإدارة داخل الحزب.

 

وعلى الخط نفسه، أشار علي أمين إلى ما وصفه بتقليص اختصاصات السكرتير العام واستحداث اختصاصات جديدة للنائب الأول، متسائلًا عن آلية انتخاب نواب رئيس الحزب، ومطالبًا بإعادة النظر في مشروع اللائحة بصورة شاملة.

 

وفي خضم هذا الجدل، جاءت رسالة تهدئة من داخل الحزب؛ إذ قال الدكتور ياسر الهضيبي إن ما تم نشره «مجرد اقتراحات وليست اللائحة»، وهو ما أكده أيضًا الأستاذ فؤاد بدراوي، بما يعني أن الباب، من الناحية المعلنة، لا يزال مفتوحًا أمام النقاش والتعديل.

 

لكن حتى لو كانت المسودة مجرد مقترحات، فإن حجم الاعتراضات التي ظهرت فور طرحها يكشف أن القضية لم تعد مجرد خلاف على نصوص، بل أصبحت نقاشًا حول شكل الوفد الذي يريده أبناؤه في المرحلة المقبلة.

 

وفديون يريدون لائحة تحافظ على التوازن بين المؤسسات، وآخرون يرون أن التعديلات قد تكون ضرورية لإعادة تنظيم الحزب وتطويره، وبين الطرفين تقف أسئلة لا يمكن تجاوزها:

 

هل ستظل الانتخابات هي الطريق إلى مواقع القيادة؟

 

هل تبقى المؤسسات قادرة على ممارسة دورها الرقابي؟

 

هل تتوزع السلطات أم تتركز؟

 

ومن يملك حق رسم مستقبل الوفد؟

 

أسئلة كثيرة، لكن الإجابة لن تكون في البيانات ولا في الاتهامات المتبادلة، وإنما في نص اللائحة النهائي وفي الطريقة التي ستُدار بها مناقشتها.

 

فـ«بيت الأمة» لا يواجه مجرد معركة حول مواد قانونية وتنظيمية، وإنما أمام اختبار حقيقي لقدرته على إدارة الاختلاف داخله، والحفاظ على تقاليد حزب قامت هويته السياسية تاريخيًا على التعددية والانتخاب والمؤسسات.

 

وفي النهاية.. ليست القضية من ينتصر في معركة اللائحة، وإنما أي وفد سيخرج من هذه المعركة.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *