من مقعد الدراسة إلى بوابة المستقبل.. منظومة متكاملة ترعى غير القادرين وتواجه التسرب وتساند جهود الدولة في بناء الإنسان
تحقيق – أسامة عبدالخالق عبدالقادر
ليس الفقر وحده هو ما يهدد مستقبل الطالب.. أحيانًا تكون مصروفات الدراسة، والزي المدرسي، والكتب، والأدوات التعليمية، وتكاليف الانتقال، أسبابًا كافية لأن يجد طفل أو شاب نفسه مضطرًا للتخلي عن حلمه في التعليم.
وهنا تظهر قيمة مشروع رعاية طالب العلم الفقير الذي تتبناه الجمعية الشرعية الرئيسية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية، باعتباره واحدًا من المشروعات التي لا تتعامل مع الاحتياج باعتباره رقمًا في دفتر مساعدات، وإنما تنظر إلى الطالب باعتباره مشروع إنسان قادر على صناعة مستقبله وخدمة وطنه.
فالجمعية لا تقدم للطالب مساعدة عابرة فحسب، وإنما تعمل على توفير مظلة من الرعاية المادية والعينية والتعليمية والطبية، بما يساعده على الاستمرار في الدراسة والوصول إلى مراحل تعليمية متقدمة.
43 ألف طالب.. رقم يكشف حجم الرسالة
تكشف أحدث الأرقام المنشورة المتاحة عن مشروع رعاية طالب العلم الفقير عن رعاية نحو 43 ألف طالب، مع امتداد المشروع إلى 24 محافظة، وهو ما يعكس اتساع نطاق التدخل الاجتماعي والتعليمي للجمعية. كما تشير بيانات تعريفية منشورة للمشروع إلى استفادة أكثر من 24 ألف أسرة من منظومة الرعاية.
وتشمل الرعاية المعلنة إعانات مالية، وسداد بعض المصروفات الدراسية، وتوفير الكتب والمستلزمات، والزي المدرسي، إلى جانب المساعدات العينية والخدمات الطبية.
وهنا تكمن فلسفة المشروع: ليس الهدف أن يحصل الطالب على مساعدة وينتهي الأمر، وإنما أن يبقى داخل منظومة التعليم حتى يستطيع الاعتماد على نفسه.
من الكفالة إلى التمكين
اللافت في تجربة الجمعية الشرعية أن مشروع طالب العلم يأتي ضمن منظومة أوسع من المشروعات الاجتماعية.
فكما ترعى الجمعية الطفل اليتيم منذ فقدان والده، فإنها تفتح أمام طالب العلم الفقير بابًا لاستكمال تعليمه، ثم تمتد الرعاية في مراحل أخرى إلى التدريب والتمكين والعمل ومواجهة الاحتياجات الاجتماعية.
وهذا النهج يحول مفهوم العمل الخيري من “مساعدة المحتاج اليوم” إلى “صناعة إنسان قادر على تجاوز الاحتياج غدًا”.
وتؤكد المشروعات المعلنة للجمعية في فروعها أن رعاية طالب العلم تمتد إلى مراحل التعليم المختلفة وحتى التعليم الجامعي.
مصطفى إسماعيل.. إدارة العمل الخيري بعقلية مؤسسية
وفي قلب هذه المنظومة يبرز دور الأستاذ مصطفى إسماعيل، الأمين العام للجمعية الشرعية الرئيسية، الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بإدارة وتطوير عدد من ملفات العمل الاجتماعي والتنموي للجمعية.
ولم يتوقف دوره عند إدارة المشروعات التقليدية، بل ظهر توجه واضح نحو ربط العمل الخيري بمفهوم التنمية المستدامة والتمكين الاقتصادي، وهو ما ظهر في تحركات الجمعية نحو المشروعات الإنتاجية والوقف الخيري والمشروعات متناهية الصغر.
ففي إحدى ورش العمل الخاصة بالمشروعات متناهية الصغر، شارك مصطفى إسماعيل وقيادات الجمعية في وضع رؤية مؤسسية لتمويل المشروعات الصغيرة وربطها بالتمكين الاقتصادي للأسر، بما يعكس محاولة الانتقال من فلسفة الإعانة إلى فلسفة الإنتاج.
وهذه الرؤية تنعكس أيضًا على مشروع طالب العلم؛ لأن الطالب الذي يحصل على فرصة كاملة لاستمرار تعليمه اليوم، هو في النهاية مواطن يمتلك فرصة أكبر في العمل والإنتاج والمشاركة في بناء الاقتصاد والمجتمع.
قيادات تعمل.. ومؤسسة لا تقوم على شخص واحد
نجاح أي مؤسسة أهلية لا يمكن أن يُنسب إلى شخص واحد مهما كان دوره، وإنما هو نتاج منظومة من مجالس الإدارة والقيادات التنفيذية والمشرفين والعاملين والمتطوعين المنتشرين في المحافظات.
وقد ظهرت في الفعاليات والأنشطة المختلفة للجمعية قيادات متعددة إلى جانب الأمين العام، من بينها رئيس مجلس الإدارة الأستاذ الدكتور عبدالفتاح عيسى البربري، ونائب الأمين العام المستشار حسن أبو صليب، وأمين الصندوق المهندس مصطفى عبده، ورائد المشروعات الدكتور ميسر الشافعي، إلى جانب قيادات القطاعات الطبية والتدريبية والمشرفين بالمحافظات.
وتكمن قوة هذه المنظومة في أن المشروع المركزي يتحول إلى خدمة حقيقية على الأرض من خلال الفروع واللجان والمشرفين الذين يتابعون الحالات ويحددون الاحتياجات ويعملون على وصول الدعم إلى مستحقيه.
التعليم.. خط الدفاع الأول ضد الفقر
لماذا تهتم الجمعية بطالب العلم؟
لأن التعليم في النهاية أحد أهم الأسلحة التي يمكن أن تواجه بها المجتمعات دائرة الفقر.
فالطالب الذي يترك المدرسة بسبب عدم قدرة أسرته على توفير احتياجاته الدراسية، قد يجد نفسه بعد سنوات أمام فرص محدودة في العمل والحياة.
أما الطالب الذي يحصل على الرعاية ويستمر في تعليمه، فيمتلك فرصة أفضل لتغيير مستقبله ومستقبل أسرته.
ولهذا يرتبط مشروع طالب العلم بأهداف تتجاوز المساعدة المباشرة، من بينها تقليل العبء عن الأسر، والحد من التسرب من التعليم، والمساهمة في بناء مجتمع أكثر قدرة على الإنتاج والتنمية.
الجمعية الشرعية والدولة.. شراكة في خدمة المواطن
ولا يمكن قراءة الدور الاجتماعي للجمعية الشرعية بمعزل عن علاقتها بمؤسسات الدولة.
فقد أكد الأمين العام في تصريحات سابقة أن الجمعية تعمل بتنسيق مؤسسي مع أجهزة الدولة، وأن لديها تعاونًا وبروتوكولات في مجالات متعددة.
والأهم أن هذا التعاون لم يعد مجرد تصريحات، وإنما تظهر له نماذج عملية على الأرض.
ففي يوليو 2026، شهدت محافظة الوادي الجديد لقاءً بين المحافظ حنان مجدي والأمين العام مصطفى إسماعيل، انتهى إلى اتفاق لدعم 100 فتاة من المقبلات على الزواج من الأسر الأولى بالرعاية، إلى جانب تقديم دعم مالي وعيني لـ 2000 أسرة من الأكثر احتياجًا وذوي الهمم، ومتابعة تجهيز مركز «الرحمة المهداة» لذوي الاحتياجات الخاصة.
وفي المنوفية، شاركت الجمعية الشرعية مع المحافظة في تقديم مساعدات لـ 2000 أسرة من الأولى بالرعاية، كما شهد يناير 2025 تعاونًا بين الجمعية وصندوق «تحيا مصر» في دعم فتيات من الفئات الأولى بالرعاية لتيسير زواجهن.
من التعليم إلى الصحة.. منظومة واحدة لخدمة الإنسان
وتتسع خريطة العمل لتشمل القطاع الطبي أيضًا.
ففي مؤتمر الجمعية الأول للحروق عام 2025، أعلن الأمين العام أن الجمعية تقدم خدمات طبية مجانية من خلال 106 مراكز طبية، كما شهد المؤتمر حضور محافظ الوادي الجديد وممثلين عن وزارتي التضامن والصحة، في صورة تعكس طبيعة التعاون بين العمل الأهلي والمؤسسات الرسمية.
وفي 2026 استمرت الجمعية في تنفيذ القوافل الطبية، ومن بينها قافلة أسوان التي شهدت إجراء 1372 كشفًا طبيًا لـ1217 مستفيدًا، بما يؤكد أن نشاط الجمعية لا يقتصر على المساعدات الاجتماعية، وإنما يمتد إلى تقديم خدمات مباشرة للمواطنين في المحافظات.
الوقف الخيري.. عندما يصبح الخير مشروعًا مستدامًا
ومن أبرز التحولات في فلسفة الجمعية الاتجاه إلى المشروعات الإنتاجية والوقفية.
فمشروع مزرعة النخيل التابعة للجمعية في الوادي الجديد يمثل نموذجًا لفكرة إنشاء أصل إنتاجي يساهم عائده في تمويل المشروعات الخيرية والاجتماعية.
وفي 2025 فازت المزرعة بلقب أفضل مزرعة على مستوى الجمهورية في مسابقة جائزة خليفة الدولية لنخيل التمور والابتكار الزراعي، وتسلم الجائزة الأمين العام مصطفى إسماعيل بحضور وزير الزراعة وعدد من المحافظين.
كما تشير بيانات الجمعية المنشورة في 2026 إلى أن المشروع يمتد على مساحة 3000 فدان ويستهدف دعم مشروعات طبية واجتماعية وتنموية، بما فيها رعاية الأيتام وتيسير الزواج ورعاية ذوي الهمم.
وهنا تظهر الفكرة الأهم: أن يتحول جزء من العمل الخيري من الإنفاق المباشر إلى إنشاء مصادر دخل مستدامة تمول الخير لسنوات طويلة.
رسالة وطنية تتجاوز حدود المساعدة
وامتد دور الجمعية كذلك إلى المجال الإغاثي، حيث شاركت في تقديم مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة بالتنسيق مع الهلال الأحمر المصري، كما استمرت في إرسال القوافل الإغاثية خلال 2025 و2026.
وهذه التحركات تعكس مفهومًا أوسع للعمل الأهلي؛ فالجمعية، بحسب ما يظهر من نشاطها المعلن، تسعى إلى أن تكون جزءًا من منظومة الاستجابة المجتمعية للأزمات، مع الحفاظ على التنسيق مع مؤسسات الدولة والجهات المختصة.
طالب العلم.. مشروع في بناء الإنسان
في النهاية، قد تبدو قيمة المساعدة التي يحصل عليها طالب العلم بسيطة أمام ضخامة احتياجات المجتمع، لكن قيمتها الحقيقية لا تقاس بحجم المبلغ وحده.
فوراء كل كتاب تم توفيره، وطقم ملابس دراسية، ومصروفات تم سدادها، ومساعدة وصلت إلى أسرة، توجد فرصة جديدة لطالب كي يبقى في مدرسته.
ووراء كل طالب يكمل دراسته، توجد أسرة قد تتغير حياتها بالكامل.
ومن هنا تأتي أهمية مشروع طالب العلم في الجمعية الشرعية: إنه لا يطارد الفقر بالمساعدات فقط، بل يحاول أن يحاصر أسبابه بالتعليم.
الخلاصة
تقدم الجمعية الشرعية نموذجًا للعمل الأهلي يقوم على ثلاثة محاور متكاملة:
رعاية المحتاج.. تمكين الإنسان.. ومساندة جهود الدولة.
وفي القلب من هذه المنظومة يأتي مشروع طالب العلم، باعتباره استثمارًا في الإنسان قبل أن يكون مشروعًا للمساعدة.
ويبقى نجاح التجربة مرتبطًا باستمرار الحوكمة والشفافية وقياس أثر المشروعات وإعلان بياناتها المحدثة بصورة دورية؛ لأن العمل الأهلي كلما كان أكثر مؤسسية ووضوحًا، ازدادت ثقة المجتمع فيه، وتعاظمت قدرته على أداء دوره كشريك حقيقي في التنمية.
وفي ظل قيادة تنفيذية يقودها الأمين العام مصطفى إسماعيل، وبدعم مجلس الإدارة وقيادات القطاعات والفروع والمشرفين والمتطوعين، تواصل الجمعية الشرعية تقديم نموذج للعمل المجتمعي الذي يسعى إلى تحويل قيمة التكافل من مجرد شعار إلى مشروعات ملموسة تصنع أثرًا في حياة المواطن وتساند الدولة في معركة بناء الإنسان المصري.
وهنا يبقى طالب العلم هو الرهان الحقيقي.. لأن من ينقذ طالبًا من التسرب اليوم، قد يكون قد ساهم في صناعة طبيب أو مهندس أو معلم أو باحث يخدم وطنه غدًا.

اترك تعليقاً