بقلم: سحر مهني
في ستينيات القرن الماضي، وبينما كان العالم يترقب بأنفاس حبسة الخطوة الأولى للإنسان على سطح القمر، كان هناك شاب عربي يمسك بمشعل العلم داخل أروقة وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا”. لم يكن مجرد شاهد على التاريخ، بل كان واحداً من صُنّاعه الأساسيين. إنه الدكتور فاروق الباز، العالم المصري الذي أثبت للعالم أجمع أن العقل العربي قادر على قيادة أعظم الاستكشافات البشرية.
من الدلتا إلى أعماق الفضاء
ولد فاروق الباز في محافظة الشرقية بمصر، ونشأ في بيئة تُقدّر العلم والاجتهاد. تخرج في كلية العلوم بجامعة عين شمس، ثم حصل على الماجستير والدكتوراه في الجيولوجيا من الولايات المتحدة الأمريكية.
لم تكن طريقه مفروشة بالورود؛ فعندما عاد إلى وطنه في بداية حياته المهنية لم يجد الفرصة المواتية لتخصص الدقيق، قرر الرحيل مجدداً ليبحث عن أفق أوسع، ليتلقى العرض الذي غيّر مسار حياته: الانضمام إلى برنامج “أبولّو” في وكالة ناسا.
العقل الموجه لرحلات “أبولّو”
بين عامي 1967 و1972، أسندت الوكالة الأمريكية إلى الباز مهمة دقيقة للغاية: اختيار مواقع هبوط رواد الفضاء على سطح القمر، وتدريب الرواد على جمع العينات الجيولوجية والتقاط الصور العلمية المناسبة.
تدريب الرواد: أشرف بنفسه على تدريب رواد الفضاء المشهورين مثل “نيل أرمسترونج” و”جيمس إروين”.
أبولّو 11: لعب دوراً محورياً في تحديد موقع “بحر الهدوء” الذي شهد أول خطوة بشرية على القمر.
التقدير النادي: أطلق رواد الفضاء عليه لقب “الملك” (The King) تقديراً لمعرفته الواسعة ودقته متناهية الشدة.
من أسرار الفضاء إلى مياه الصحراء
لم يتوقف شغف الباز عند حد الفضاء الخارجي؛ بل سخر تقنيات الاستشعار عن بُعد التي تعلمها في ناسا لدراسة صحاري الأرض، وبخاصة العالم العربي.
تولى إدارة مركز الاستشعار عن بُعد في جامعة بوسطن الأمريكية، ووجه أبحاثه نحو اكتشاف الموارد المائية الجوفية في المناطق الجافة. بفضل تحليلاته للصور الفضائية:
اكتشف أحواضاً مائية جوفية ضخمة في صحراء مصر الغربية وشمال أفريقيا ودول الخليج.
ساهم في حماية البيئة الصحراوية وتطوير استراتيجيات مكافحة التصحر.
أطلق مشروع “ممر التنمية” في مصر، وهو رؤية استراتيجية للخروج من الشريط النيلي الضيق واستصلاح الصحراء.
محطات رسمت الأسطورة العلمية
الإنجاز العلميالأثر المستدام
ناسا (أبولّو)مشرف دراسة أسطح القمر واختيار مواقع الهبوطنجاح 6 رحلات هبوط بشرية على سطح القمر
جامعة بوسطنتأسيس وإدارة مركز الاستشعار عن بُعدتطوير تقنيات الكشف عن المياه الجوفية بالرادار
الأبحاث الصحراويةدراسة حركة الكثبان الرملية والمياهحماية المنشآت العمرانية واكتشاف آبار المياه
الأثر المستمر والدرس الخالد
إن قصة الدكتور فاروق الباز ليست مجرد سيرة عالم ناجح، بل هي شهادة حية على أن شغف البحث العلمي والإرادة الصلبة كفيلان بتجاوز كل الحدود الإقليمية والجغرافية.
رحلته تنقل رسالة ملهمة للشباب العربي: “إن العقل العربي لا يقل كفاءة عن أي عقل في العالم، متى ما وُجدت الإرادة والإيمان بالهدف”. سيظل اسم فاروق الباز محفوراً على صفحات القمر وحبات رمل الصحراء، شاهداً على أثر علمي لم يغب شمسه.

اترك تعليقاً