كتب / أسامة عبدالخالق
في زمن أصبحت فيه الأضواء تسبق الإنجاز، لا تزال هناك شخصيات اختارت أن يكون عملها هو المتحدث الوحيد باسمها، وأن يكون أثرها في حياة الناس هو أكبر وسام تناله. ومن بين هذه النماذج يبرز اسم فضيلة الإمام الشيخ عبدالله عبدالهادي، مشرف عام القاهرة السابق بالجمعية الشرعية، ورئيس مجلس إدارة الفرع المركزي للسيدة عائشة، وأحد أبرز القيادات التي كرست حياتها لخدمة المجتمع والعمل الإنساني.
لم يكن الشيخ عبدالله عبدالهادي مجرد مسؤول إداري داخل الجمعية الشرعية، بل أصبح نموذجًا للقائد الميداني الذي يتابع بنفسه تفاصيل العمل، ويؤمن بأن النجاح الحقيقي يبدأ من خدمة الإنسان، وأن قيمة المؤسسات الخيرية تُقاس بما تقدمه من أثر حقيقي للفقراء والمحتاجين، وليس بما ترفعه من شعارات.
قيادة ميدانية لا تعرف المكاتب
من يزور الفرع المركزي للجمعية الشرعية بالسيدة عائشة يدرك سريعًا أن العمل لا يُدار من خلف المكاتب المغلقة، بل من قلب الميدان. فالشيخ عبدالله عبدالهادي يتابع بنفسه مختلف المشروعات والأنشطة، ويحرص على الوقوف على احتياجات المستفيدين، واضعًا نصب عينيه رسالة الجمعية في خدمة الإنسان دون تمييز.
هذه المتابعة اليومية جعلت العمل أكثر انضباطًا، ورسخت ثقافة الإخلاص والتفاني بين العاملين والمتطوعين، حتى أصبحت الجمعية نموذجًا في التنظيم والعمل المؤسسي.
بناء الإنسان قبل تقديم المساعدة
تميزت الجمعية الشرعية عبر تاريخها بأنها لا تقتصر على تقديم المساعدات، بل تسعى إلى بناء الإنسان علميًا ودينيًا واجتماعيًا، وهي الرؤية التي يؤمن بها الشيخ عبدالله عبدالهادي ويعمل على ترسيخها.
فمشروعات كفالة الأيتام لا توفر الدعم المالي فقط، وإنما تمنح الطفل الرعاية والتعليم والاحتواء.
ومبادرات تيسير زواج الفتيات لا تعالج أزمة اجتماعية فحسب، بل تفتح أبواب الأمل أمام أسر تعجز عن تحمل تكاليف الزواج.
أما طالب العلم، فيجد من الجمعية يدًا تمتد إليه ليواصل تعليمه دون أن تقف الظروف المادية عائقًا أمام مستقبله.
صناعة جيل يحمل القرآن والأخلاق
تولي الجمعية الشرعية اهتمامًا كبيرًا بتحفيظ القرآن الكريم، وتعليم السنة النبوية، وغرس القيم الإسلامية السمحة في نفوس الأطفال والشباب.
ولا يتوقف الأمر عند حلقات التحفيظ، بل يمتد إلى إعداد جيل واعٍ يجمع بين العلم والأخلاق والانتماء، ويشارك في خدمة وطنه ومجتمعه.
الصحة والتعليم والتنمية
نجحت الجمعية الشرعية في تقديم نموذج متكامل للعمل التنموي، من خلال الاهتمام بالخدمات الصحية، ودعم العملية التعليمية، وتنظيم الدورات التدريبية، وتعليم الحرف والمهن اليدوية التي تساعد الشباب على توفير مصدر دخل كريم، بما يعزز مفهوم الاعتماد على النفس والإنتاج.
كما تتبنى الجمعية مشروعات تنموية وبيئية، من بينها زراعة النخيل وغيرها من المبادرات التي تسهم في دعم التنمية المستدامة.
سند للدولة في أوقات الشدة
على مدار عقود، أثبتت الجمعية الشرعية أنها شريك وطني مهم في مواجهة الأزمات، وكانت دائمًا في الصفوف الأولى خلال الكوارث والمحن، حيث سارعت إلى تقديم المساعدات الغذائية والطبية والإنسانية للمحتاجين.
وامتد عطاؤها إلى الأشقاء، فكانت من أوائل المؤسسات التي قدمت الدعم الإغاثي والإنساني للأشقاء في فلسطين والسودان وغيرهما، انطلاقًا من رسالتها الإنسانية التي لا تعرف حدودًا.
لقد أثبتت التجربة أن العمل الأهلي المنظم يمثل أحد أهم روافد التنمية، وأن الجمعية الشرعية أصبحت ركيزة داعمة لجهود الدولة في مجالات التكافل الاجتماعي والرعاية الإنسانية.
مدرسة في العطاء
ما يميز الشيخ عبدالله عبدالهادي أنه لا يبحث عن الظهور الإعلامي، بل يفضل أن تتحدث عنه إنجازاته، وأن يكون رضا الله وخدمة الناس هما الغاية الأولى.
وقد نجح، على مدار سنوات طويلة، في أن يكون قدوة للأجيال الجديدة من العاملين بالجمعية الشرعية، مؤكدًا أن القيادة الحقيقية تعني تحمل المسؤولية، والتواضع، والوجود الدائم بين الناس.
كلمة أخيرة
تبقى الجمعية الشرعية واحدة من أعرق مؤسسات العمل الأهلي في مصر، ورمزًا للعطاء والتكافل والمحبة، ونموذجًا للمؤسسات التي تؤمن بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الأوطان.
ويبقى فضيلة الإمام الشيخ عبدالله عبدالهادي واحدًا من أبرز رجالها، الذين جعلوا من العمل الخيري رسالة حياة، ومن خدمة الإنسان منهجًا ثابتًا، مؤمنًا بأن خير الناس أنفعهم للناس، وأن الأوطان لا تبنى إلا بسواعد المخلصين الذين يعملون بصمت، ويتركون خلفهم أثرًا يبقى في القلوب قبل أن يُكتب في صفحات التاريخ.

اترك تعليقاً