كتبت سحر مهني
خلف ملامح “حسناء الشاشة” الرقيقة وهدوئها الأرستقراطي، عاشت الفنانة الراحلة مريم فخر الدين رحلة إنسانية وروحية فريدة من نوعها. رحلة تحولت فيها من طفلة لا تعرف عن الإسلام سوى الاسم، إلى امرأة تذرف الدموع شوقًا لسجادة الصلاة، في مفارقة عجيبة كان بطلها الأول “مشهد درامي” صدفة، ومكالمة هاتفية غير متوقعة من إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي.
“ماري فخري”.. الطفلة التي أخفت الأم دينها 12 عامًا
لم تكن بداية مريم فخر الدين مع الإسلام عادية؛ فقد ولدت لأب مصري مسلم وأم مجرية مسيحية صارمة. نجحت الأم في إلحاق ابنتها بمدرسة للراهبات، بل وأقنعت إدارة المدرسة بأن اسم الطفلة هو “ماري فخري”، لتقضي مريم أول 12 عامًا من عمرها تتربى على الطقوس المسيحية داخل المدرسة دون أن تدري عن دين أبيها شيئًا.
اكتشف الأب هذه المفاجأة بالصدفة، وتوجه إلى المدرسة ليعلن أمام الجميع أن ابنته هي “مريم فخر الدين” مسلمة بنت مسلم، ورغم تصحيح الاسم، إلا أن مريم كبرت ودخلت عالم الفن وهي تفتقد لمعرفة الشعائر الإسلامية الأساسية وكيفية أدائها.
“يا حجة يا طيبة”.. موقف طريف في الحسين
في عام 1972، وأثناء تصويرها لفيلم “بيت من رمال” – حيث كانت تجسد دور أم الفنانة بوسي – صوّرت مريم مشهدًا داخل مسجد الإمام الحسين وهي ترتدي الحجاب وتصلي وتدعو لابنتها.
انتهى التصوير في تمام الساعة الخامسة فجرًا، واستقلت مريم سيارة أجرى (تاكسي) للعودة إلى منزلها. وعند وصولها، رفض السائق البسيط تقاضي أي أموال، قائلًا لها بوقار: “كفاية دعوتين منك بس يا حجة يا طيبة”. حاولت مريم إقناعه مرارًا وتكرارًا: “يا ابني أنا ممثلة وعمري ما حجيت وده كان تصوير فيلم”، إلا أن الرجل أصر على أن ملامحها تشع نورًا وإيمانًا وقال لها: “لا يمكن.. أنتِ حجة ومخبية عليا”. وأمام إصراره، غادرت مريم وهي تدعو له قائلة: “روح يا ابني إلهي ينور بصيرتك”.
سورة الفاتحة.. نقطة التحول في سن الخمسين
مرت السنوات وتجاوزت مريم فخر الدين سن الخمسين، وخلال تحضيرها لأحد المسلسلات، كان النص يتطلب منها قراءة سورة “الفاتحة” في أحد المشاهد. ولأنها لم تكن تحفظها، قام طاقم العمل بكتابتها لها على ورقة لتكرارها وحفظها.
كانت تلك الورقة هي شرارة النور؛ إذ لمست الآيات قلبها، واجتاحتها رغبة عارمة في الصلاة، لكنها وقفت عاجزة لا تعرف كيف تتوضأ أو ماذا تقول في الركوع والسجود.
شادية والشيخ الشعراوي.. هاتف يُعيد ترتيب الحياة
أمام حيرتها، اتصلت مريم بصديقتها المقربة الفنانة المعتزلة شادية، وقالت لها ببكاء: “أنا عايزة أصلي ومش عارفة”، ثم أغلقت الهاتف وهي تشعر بالضياع.
ولم تمر سوى دقائق معدودة، حتى رن هاتف مريم مجددًا، لتفاجأ بصوت جهوري مريح يقول لها: “أنا الشيخ الشعراوي.. وسمعت إنك عايزة تصلي”. غمرت الفرحة قلب مريم، وسألها إمام الدعاة: “حافظة إيه من القرآن؟” فقالت: “الفاتحة بس”، فأجابها بتبسيط وسماحة: “حلو قوي.. صلي بالفاتحة”.
شرح لها الشيخ الشعراوي طريقة الوضوء ببساطة، وعندما وصلت إلى معضلة عدم حفظها لـ “التشهد”، قال لها فتواه التيسيرية اللطيفة: “خلاص.. قولي مكان التشهد الفاتحة برضه لحد ما تحفظيه”. وظلت مريم تصلي بالفاتحة في كل حركاتها حتى أتقنت أركان الصلاة كاملة، وتابعت رحلتها الروحية لتؤدي بعدها مناسك الحج والعمرة، مؤكدة في لقاءاتها اللاحقة أن الله أراد لها الهداية والخير من وراء مشهد سينمائي حفظت فيه الفاتحة لتتغير حياتها إلى الأبد.

اترك تعليقاً