د. فاتن الدوسري تكتب: هل كانت رؤية أوباما صائبة تجاه إيران؟

 

يتساءل منتقدي الرئيس ترامب، هل اتفاق وقف الحرب مع إيران بما يشمله من تعهدات من إيران-ليست نهائية أو مؤكدة بعد- يستحق حرب استمرت أربعة أشهر تكلفت أكثر من 40 مليار دولار وتبديد لمخزون الأسلحة الاستراتيجية ومستويات تضخم مرتفعة وتوتر مع الحلفاء وخسائر فادحة لأقرب الحلفاء؟ والسؤال الأهم مثار الجدل الأعظم، لماذا انتهى الأمر على “اتفاق” يتضمن أغلب البنود التي كان يتم التفاوض عليها قبل الحرب، وكأن تلك الكلفة الخطيرة للحرب لم تكن لها داعى من الأساس؟

أثارت موافقة الرئيس ترامب على الوساطة الباكستانية للتوصل لاتفاق مع إيران، أي قبل التوقيع رسميا على الاتفاق، حالة من الاستغراب والاستهجان الشديد في ذات الوقت، فهو الذي انخرط في الحرب عازما بإصرار على إسقاط النظام الإيراني، أو على أقل تقدير إجباره على اتفاق استسلام. إذ أن موافقة ترامب على إبرام اتفاق مع إيران قد كشفت دون ادني مواربة عن الرؤية الخاطئة لإدارة ترامب بشان سهولة إسقاط النظام، وكذلك استسلامه بسهولة، وفوق كل ذلك، قد كشفت أن لا بديل للتعاطي مع البرنامج النووي لإيران، وترويض النظام سوى الدبلوماسية أي “إبرام اتفاق”.

ومن هنا قد اشتعل جدل داخل الولايات المتحدة حول رؤية ترامب وأوباما حول إيران، وبعد توقيع الاتفاق، توسع الجدل حول المقارنة بين اتفاق أوباما 2015، واتفاق ترامب 2026.

على عكس ما يعتقد الكثيرين بأن التحول الكبير في السياسة الخارجية الأمريكية قد بدأ مع ترامب، الواقع أنه قد بدأ مع أوباما من حيث تحويل الأولوية الاستراتيجية إلى آسيا، وتقليص دور الولايات المتحدة في العالم، وفى ضوء ذلك رأي أوباما أن الشرق الأوسط أصبح عبء شديد يجب التخلص منه، وأهم قضية هي ضمان أمن إسرائيل والصراع مع إيران. ومع الأخيرة، خلصت إدارة أوباما بعد دراسة طويلة متأنية أن التطبيع مع إيران وإبرام اتفاق معها حول برنامجها النووي هو السبيل الأفضل، وذلك ليس فقط لأن تكلفة الصراع خطيرة، بل أيضا قد توصل أوباما لفهم ذكى عميق لإيران مفاده استعدادها للذهاب إلى أقصى تنازلات ممكنة شريطة ضمانات بلعب دور إقليمي واسع، وإنعاش اقتصادي، واعتراف وانخراط دولي.

وهو ما أثمر في النهاية اتفاق خطة العمل المشتركة 2015 والذي قدمت فيه إيران تنازلات شبه جذرية عن برنامجها النووي بموجب آليات وقيود محددة صارمة وقامت بتنفيذها. فور وصوله للبيت الأبيض في 2017 كان الانسحاب من الاتفاق من أولى قرارات ترامب مع فرض عقوبات صارمة دمرت الاقتصاد الإيراني، وأجبرت إيران على عودة التخصيب سراً حتى الوصول إلى نسبة التخصيب المؤهلة للقنبلة الذرية.

وبغض النظر عن دوافع مقاربة ترامب تجاه إيران وهى غالباً تماهي مع مقاربة إسرائيل، لكنها أسفرت في نهاية المطاف إلى حرب ال12 يوم، ثم الحرب ال40 يوماً، ثم اتفاق وقف الحرب الذي لم ينهى البرنامج النووي فعلياً، والأدهى من ذلك أنه أقرب إلى اتفاق أوباما من حيث الغايات، وليس الضمانات والمكتسبات والآليات والتعهدات.

يرتكز أتفاق ترامب “التمهيدي” على تعهد إيران بعدم امتلاك سلاح نووي “مجرد تعهد” مع ترك تفاصيل التخلي عن السلاح النووي خاصة اليورانيوم المخصب إلى الاتفاق النهائي، مقابل رفع العقوبات، ورفع الأصول والأموال المجمدة، وتمويل خطة إعادة الإعمار.

في حين كان ذات المرتكز في اتفاق أوباما “النهائي”، لكن تعهدت إيران بتخصيب اليورانيوم إلى أدنى حد، والتخلص من 98% من الوقود النووي، وتفكيك ثلثي أجهزة الطرد المركزي، ووضع منشآتها النووية تحت الرقابة الصارمة للوكالة الدولية للطاقة الذرية. هل ستتقطع إيران على نفسها نفس التعهدات في الاتفاق النهائي، وهو ما يريده ترامب؟ ولماذا لم تتعهد على ذلك في الاتفاق التمهيدي؟. يضاف إلى ذلك، أن اتفاق أوباما كان جماعي عبر مجموعة العمل المشتركة التي تضم حلفاء إيران روسيا والصين، وبالتالي كان تنفيذه مضمون، ومعاقبة إيران عن الانحراف عنه مضمون أيضا عبر عقوبات مجلس الأمن الجماعية.

في نهاية المطاف، برهنت التجربة أن رؤية أوباما كانت صائبة، إذ انتهى الأمر من حيث المبدأ إلى الحل الدبلوماسي و”اتفاق”، ومع ذلك، نعتقد أن ترامب لن يتوصل في النهاية إلى اتفاق مع إيران بنفس جودة اتفاق أوباما، كما أن تجربة الحرب وإصرار إسرائيل على إسقاط النظام الإيراني، سيترك إيران في حالة من الحذر والمناورة الشديدة يجعلها لن تترك أهم أورقها بسهولة لاسيما وأنها لم تعد ما لديها ما تخشى من خسارته، وذات يوم قال نابليون وهتلر أن أكثر عدو تخشى منه هو الذي ليس لديه شي يخاف أن يخسره.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *