ليس أخطر ما يواجه الأوطان أن تتراجع مؤشرات الاقتصاد، ولا أن ترتفع الأسعار، ولا حتى أن تتعثر بعض المشروعات ، الخطر الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن الذي أفنى عمره في خدمة بلده أنه أصبح غريبا في وطنه ينتظر حقه كما لو كان يتسول إحسانا
في مصر هناك ملايين من أصحاب المعاشات وكبار السن لا يطلبون امتيازات استثنائية، كل ما يريدونه أن يعيشوا بكرامة ، لكن الواقع الذي يراه الجميع يكشف عن معاناة يومية تبدأ من عند ماكينة صرف المعاش وتنتهي بالوقوف في طابور التأمين الصحي
أي منطق يقبل أن يقضي رجل تجاوز السبعين من سنوات عمره في خدمة الدولة ثم يقضي ما تبقى من عمره بين طوابير المستشفيات، وقوائم الانتظار، والبحث عن دواء قد لا يجده، أو خدمة صحية لا تليق بما قدمه لهذا الوطن؟
وأي عدالة تجعل معاشا كان يفترض أن يكون ضمانا لحياة كريمة، يتحول إلى مبلغ لا يكفي احتياجات أيام معدودات ، بينما ترتفع تكاليف المعيشة بصورة جنوانية لا يستوعبها عقل ؟ إن قيمة المعاش ليست في المبلغ المالي، بل هي عنوان لاحترام الدولة لمن خدموها ورسالة لكل موظف وعامل وشاب بأن سنوات عطائه ستقابل بالاحترام والتقدير
ثم تأتي الأزمة الأكثر استفزازا عندما يتأخر صرف المعاشات أو تتعطل الخدمات بحجة السيستم ، أصبح هذا المصطلح شماعة جاهزة تعلق عليها الأخطاء الإدارية، بينما يبقى المواطن هو من يدفع الثمن ، فالأنظمة الإلكترونية وجدت لتسهيل حياة الناس، لا لتعطيل حقوقهم، وإذا كان هناك قصور إداري أو تقني، فإن علاجه يكون بالمحاسبة والإدارة الرشيدة، لا بتحميل أصحاب المعاشات نتائج هذا القصور
المواطن لا تعنيه الأعذار، بل تعنيه حياته ومعيشته وعندما يقف مسن لساعات منتظرا حقه، أو يعود إلى منزله لأنه لم يتمكن من إنهاء إجراء بسيط كسحب معاشه، فهذه ليست مشكلة سيستم وإنما مشكلة إدارة تستوجب المراجعة والإصلاح والحساب
إن احترام كبار السن لا يقاس بالخطب ولا بالشعارات، وإنما يقاس بما يلقونه داخل المستشفى، وفي مكاتب التأمينات، وأمام منافذ صرف المعاشات، وفي كل مصلحة حكومية ، الكرامة لا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة وإنما تحتاج إلى قرار واضح وثقافة مؤسسية تعتبر المسن صاحب حق وليس عبئا على المجتمع
المطلوب ليس حلولا مؤقتة، بل مراجعة شاملة لمنظومة الخدمات المقدمة لأصحاب المعاشات وكبار السن، تبدأ بتطوير الإدارة، وضمان استقرار الأنظمة الإلكترونية وتحسين جودة الرعاية الصحية، وتيسير الإجراءات، والارتقاء بمستوى الخدمات بما يحفظ كرامة من أفنوا أعمارهم في خدمة هذا الوطن…
حفظ الله مصر حفظ الله الشعب

اترك تعليقاً