رؤية عظيمة للصحة في دبي.. والتطبيق يحتاج إلى مراجعة ومساءلة

 

كتبت هدى العيسوى

دبي ليست مجرد مدينة، إنها مشروع حضاري فريد نسجه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بيديه الكريمتين على مدى عقود، مشروع قائم على الثقة والتميز وصون كرامة الإنسان، ودبي التي نعرفها اليوم — بأفقها الباسق ومنظومتها المتقدمة وسمعتها العالمية — هي ثمرة رؤية قيادية استثنائية جعلت من هذه المدينة قبلة للعالم، وسمو الشيخ حمدان بن محمد ولي العهد يسير على الدرب ذاته، ساهراً على أن تكون دبي دائماً في مستوى طموحاتها ومستحقة لثقة أبنائها وزوارها.

 

الرؤية وحدها لا تكفي

 

غير أن الرؤية العظيمة لا تُترجم نفسها بنفسها، إنها تحتاج إلى أمناء في المواقع التنفيذية، وإلى مسؤولين يحملون أمانة الثقة الممنوحة لهم بالقدر ذاته من الجدية والنزاهة. وهنا يكمن الخلل المؤلم الذي يستحق أن يُقال بصراحة.

 

أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مراراً أن دبي تُبنى للإنسان وتُدار لخدمته، وقد صاغت القيادة الرشيدة أُطراً تنظيمية متقدمة لقطاع الصحة، ووضعت معايير واضحة للرقابة والجودة والمساءلة، ولو طُبِّقت هذه المعايير كما صُمِّمت، لما كانت لنا حاجة إلى هذه الكلمات اليوم.

 

لكن المشكلة لم تكن يوماً في غياب التشريع أو الرؤية؛ المشكلة في المسافة بين القرار القيادي والتطبيق الميداني، وفي المسؤولين الذين يملؤون تلك المسافة بالتقاعس أو التغاضي أو ما هو أسوأ.

 

نور الممزر.. وفيات في ظل غياب الرقيب

 

مركز نور الممزر يشهد تراكماً موثقاً من الشكاوى؛ وفيات أثناء العمليات، وأخطاء طبية متعددة، وإجراءات جراحية تتم دون استيفاء الأصول المهنية الواجبة. ذوو الضحايا يتحدثون عن جدار صامت يواجههم حين يطرقون أبواب الجهات المعنية، شكاوى تُقدَّم فلا تُجاب، وملفات تُفتح فلا تُغلق.

 

ليس في هذا تشكيكاً بأنظمة دبي الصحية التي وضعتها القيادة؛ بل العكس تماماً، هذا توثيق لإخفاق تنفيذي صريح في تطبيق تلك الأنظمة. القيادة رسمت الطريق، والمسؤولون التنفيذيون تركوه دون صيانة.

 

الأكاديمية الأمريكية للجراحة التجميلية.. تسع وفيات وصمت رسمي

 

تسع حالات وفاة في عام واحد داخل مستشفى واحد، رقم لا يحتاج تعليقاً، ولو كانت المنظومة الرقابية في هيئة الصحة بدبي تعمل بالكفاءة التي وضعتها لها القيادة، لكان التدخل فورياً وحاسماً.

 

لكن ما يجري مختلف تماماً، يعمل أحد الجراحين في هذه المنشأة وترخيصه الطبي موقوف بقرار رسمي بسبب أخطاء مهنية سابقة، وحين يأتي المفتشون، يجدون حراساً أمنيين نُصبوا أمام غرف العمليات لمنعهم من رؤية من يجري الجراحة فعلاً، أي رقابة هذه التي تُحجب بحارس مأجور؟

 

والأمر لا يتوقف هنا؛ إذ يتحدث المسؤول عن المنشأة بثقة واضحة عن علاقاته مع جهات نافذة في مدينة بنى فيها صاحب السمو منظومة حكم تُقدّم القانون على ما عداه، يصبح هذا التصريح جرساً صاخباً يستوجب الوقفة والمراجعة، كيف يتغاضى المسؤولون التنفيذيون في هيئة الصحة بدبي عن هذا الواقع؟ وما الذي يمنعهم من التصرف؟

 

ميد ستار وكلينكا صباح.. مخالفات لا تحتاج مجهراً

 

لا يحتاج المرء إلى تحقيق معمّق ليكتشف أن مركز ميد ستار يُسوّق نفسه على الملأ مستشفى متخصصاً بينما تُصنّفه سجلات هيئة الصحة بدبي مجرد مركز طبي، يكفي زيارة موقعه الإلكتروني، مخالفة قانونية وصحية مكشوفة للعيان، تتحوّل فيها الدعاية الكاذبة إلى خطر حقيقي حين يظن المريض أنه في مستشفى كامل المواصفات فيجد نفسه في منشأة لا تملك قدرات الطوارئ.

 

وكلينكا صباح يسير في الاتجاه ذاته، والشكاوى المتراكمة من مرضاهما لا تُعدّ ولا تُحصى، إلى متى تظل هذه المخالفات المكشوفة بلا معالجة جدية؟

 

رسالة إلى المسؤولين التنفيذيين

 

دبي التي بناها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لا تليق بها هذه الصورة، ودبي التي يرعاها سمو الشيخ حمدان بن محمد لا يجب أن تكون فيها أرواح المرضى رهينة لتقاعس مسؤولين أو محمية بنفوذ مشبوه.

 

القيادة وضعت الأنظمة والمعايير والأُطر. المسؤولون التنفيذيون في هيئة الصحة بدبي يتحملون اليوم أمانة ترجمة هذه الأنظمة إلى واقع ميداني بلا استثناءات ولا محسوبيات، وأمام وفيات موثقة وطبيب يعمل بترخيص موقوف ومنشآت تخدع مرضاها، لا يكفي البيان المتأخر ولا الإجراء الشكلي؛ المطلوب مراجعة حقيقية تكون على مستوى رؤية القيادة التي صنعت من دبي عنواناً للتميز.

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *