عبد الله شوال صادق يكتب :مقصلة التكافؤ.. كيف يقتل الغش أحلام المجتهدين؟

 

 

لم يعد الغش في امتحانات الثانوية العامة زلة طالبٍ خائف، بل تحوّل إلى صناعةٍ قائمةٍ بذاتها، لها مستثمرون ومروّجون وموظفون صغار يعملون في الخفاء وليست المشكلة في الطالب الذي يمدّ يده إلى الهاتف فذاك أهون الحلقات وأضعفها وإنّما في المنظومة التي تصنع من الفشل سلعةً تُباع وتُشترى

 

تجار الوهم باسم المراجعة النهائية

ظهرت كياناتٌ ربحيةٌ اتخذت من رعب الأسر تجارةً رائجة مراكزٌ دراسية ومنصاتٌ إلكترونية وصفحاتٌ تزعم امتلاك التسريبات المضمونة

المشهد يتكرر كل عام تُطلق شائعة فينتفض أولياء الأمور وتُدفع الأموال الطائلة فإذا نجح التسريب صدفةً ارتفع شأنهم وإذا كُذب ادّعوا أنّ “الجهات الأمنية تدخلت

هؤلاء ليسوا معلمين بل تجار خوف لا يقوم كسبهم على الشرح والبيان وإنما على إدامة العطب في المدرسة الرسمية حتى يبقى الطالب أسيراً لهم ولو صلح الامتحان واستقام التقييم لسقطت تجارتهم وبطل سوقهم

 

التواطؤ من بعض القيادات خيانةٌ للأمانة

لنجاهر بالحق لا يخرج ورقٌ ولا تُفتح لجنة ولا تُغضّ أبصارٌ إلا بيدٍ من الداخل والمسؤول الذي يغمض عينه بحجة درء المشاكل أو مراعاة الخواطر شريكٌ أصيلٌ في الجريمة

إنّ هذا التواطؤ يرسل رسالةً قاتلةً إلى الطالب المجتهد إنّ تعبك هباء وإنّ الغش هو الطريق الأقصر و تنهار دوافع الاجتهاد وتدخل الأمة في سباقٍ إلى الحضيض فالغشاش اليوم قد يصبح مدير مستشفى غداً فتزهق الأرواح بجهله ومهندس مشروعٍ غداً فينهار على رؤوس الناس

 

الثمن يدفعه المجتمع كله

الطالب الذي سهر الليالي يجد نفسه مساوياً لمن اقتنص الإجابة في عشر دقائق. والأب الذي دفع الاموال من اجل الغش يراه يدخل كليةً مرموقةً بلا كفاءة ثمّ تتحمل الأمة كلها النتيجة طبيبٌ لا يُحسن التشخيص ومحاسبٌ يعبث بالأموال وقاضٍ يخطئ في الحكم

فالغش لا يفسد امتحاناً فحسب، بل يهدم عقد الثقة بين الناس، ويشيع اليأس من جدوى العمل الشريف

 

نريد مواجهة لا مسكنات

ما نراه ليس ظاهرةً عارضةً تُعالج ببيانٍ ومؤتمر، بل جريمةً منظمةً تستلزم قطع دابرها

وذلك يكون بمحاسبة من يتاجر بالتسريب كما يحاسب مروّج المخدرات فكلاهما يدمر العقل وبمحاسبة الموظف المتواطئ كما يحاسب خائن الأمانة وبرفع شأن المعلم الأمين ومنحه المكانة والسلطة التي تليق به

 

 

كل درهمٍ يُدفع في تسريبٍ يُنتزع من كرامة طالبٍ مجتهد وكل لجنةٍ تُترك سائبةً تُغلق باباً أمام مستحق

إنّ من يربح من الغش اليوم إنّما يبني قصره على أنقاض وطنٍ غداً وتلك الأنقاض ستكون وطننا جميعاً إن لم ننهض لردمها

شارك هذا المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *