كتبت سحر مهني
في مشهد جسد أعلى معاني التضحية والتمسك بالأرض شهد ريف حلب الجنوبي في الشمال السوري واقعة بطولية ومأساوية في آن واحد حيث اندفع المئات من الأهالي نحو سد السيحة الترابي الذي تعرض لانهيار مفاجئ مهددا بغمر مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والقرى المجاورة ولم يجد السكان وسيلة لصد تدفق المياه الهادر سوى الوقوف صفا واحدا بأجسادهم العارية أمام الفتحات التي خلفتها التصدعات في بنية السد القريب من بلدة رسم الحرمل في محاولة يائسة لمنع كارثة وشيكة قد تأتي على الأخضر واليابس وتدمر محاصيلهم التي تشكل مصدر رزقهم الوحيد
بدأت الأحداث بتسربات طفيفة في جسم السد الترابي نتيجة الضغط المتزايد وتهالك البنية التحتية التي لم تشهد أعمال صيانة حقيقية منذ سنوات طويلة وبسرعة فائقة تطور الأمر إلى انهيار جزئي تسبب في تدفق كميات ضخمة من المياه باتجاه المناطق المنخفضة مما أثار حالة من الذعر بين السكان الذين استغاثوا عبر مكبرات الصوت في المساجد وفي القرى المجاورة ليهرع الرجال والشباب وحتى كبار السن نحو موقع الانهيار حاملين معهم أدوات بسيطة وأكياسا من الرمل لكن قوة المياه كانت أكبر من إمكانياتهم المتواضعة مما دفعهم لاتخاذ قرار انتحاري بتشكيل جسر بشري متلاحم لإبطاء حركة التدفق وتوجيه المياه بعيدا عن المنازل
الصور والمقاطع المصورة المسربة من الموقع أظهرت عشرات الرجال وهم يقفون في مياه طينية باردة تصل إلى صدورهم متشابكي الأيدي في تحد صارخ للطبيعة وللظروف القاسية التي تعيشها المنطقة حيث يسابق هؤلاء الزمن لترميم ما يمكن ترميمه قبل أن يتسع الخرق ويصبح من المستحيل السيطرة على الوضع وسط غياب تام للمعدات الثقيلة أو فرق الاستجابة السريعة المتخصصة في مثل هذه الكوارث المائية مما يضع عبء حماية القرى والمستقبل الزراعي للمنطقة بالكامل على عاتق صدور هؤلاء المدنيين الذين يواجهون الطوفان بصدور عارية وإرادة صلبة
تتزايد المخاوف الآن من استمرار انهيار أجزاء أخرى من السد خاصة مع حلول الظلام وصعوبة الرؤية مما قد يؤدي إلى غرق قرى بأكملها وتلف آلاف الهكتارات من القمح والشعير التي كانت على وشك الحصاد ويناشد الأهالي المنظمات الإنسانية والجهات المعنية بالتدخل الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتقديم آليات هندسية قادرة على سد الفجوات بشكل دائم بدلا من هذا الحل البشري المؤقت الذي يعرض حياة المئات للخطر الداهم في سبيل حماية الأرض والديار من زحف المياه المدمر الذي لا يرحم

اترك تعليقاً